الوجه الآخر لديكارت !
بقلم أحمد دعدوش
"...إن المفارقة تكمن لدينا نحن العرب والمسلمين، وتحديداً لدى أولئك المتشبثين بقناع الحداثة، والذين لا يسأمون من تكرار توجيه النقد اللاذع للعقلية العربية ، ويعلنون صراحة أن عقدتنا الحضارية لن تنحل أبداً حتى نتخلى عن موروثنا الثقافي والحضاري برمته، ثم نتخذ من قصور الرمال الديكارتية أساساً متيناً نبني عليه حداثتنا الضرورية ...."
هو"أبو الفلسفة الحديثة"حينا و"نبي العقلانية"حينا آخر، هكذا أراده حداثيو فرنسا الذين خرجوا من ظلامهم الكنسي القروسطي إلى فسحة التنوير العقلاني، حاملين بإحدى أيديهم مبادئ ثورتهم الدستورية في"الحرية والإخاء والمساواة"، وباليد الأخرى إنجيلهم الجديد"مقالة في المنهج".
رينيه ديكارت (1596- 1650) أشهر فلاسفة فرنسا على الإطلاق، وواحد من رموز الفلسفة الأوربية الحديثة، ولد في لاهاي - من إقليم تورين في فرنسا - وترك الدراسة في سن السادسة عشرة بسبب فشله الدراسي!، فنصحه والده بالتطوع في إحدى جيوش أمراء الإقطاعيات الأوربية في ذلك الزمان، فعاش مرتزقا في جيش دوق ناسو ثم دوق بافاريا لمدة أربع سنوات، لينسحب بعدها إلى هولندا، ويصرف وقته في القراءة والتفلسف .
بدأ الرجل بقراءة علوم اللاهوت، واطلع على أعمال الفلاسفة"التنويريين"الذين بدؤوا للتو في الخروج على تعاليم الكنيسة، فحاول التوفيق بين الاتجاهين، واصطنع لنفسه منهجا في الشك ضمّنه في كتابه"مقالة في المنهج"، والذي اشتهر فيما بعد بمنهج الشك الديكارتي .
وبالرغم من أن بعض الباحثين المسلمين قد تمكنوا من إثبات تورّط"أبو الفلسفة الحديثة"في سرقة منهجه المذكور من منهج الإمام الغزالي الذي سبقه بخمسة قرون، ولعل أشهرهم الدكتور محمود حمدي زقزوق في كتابه"المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت"، والدكتور نجيب محمد البهبيتي في كتابه"المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين"، وكذلك المفاجأة التي أطلقها الباحث التونسي الراحل عثمان الكعاك في الملتقى العاشر للفكر الإسلامي في مدينة عنتابة بالجزائر (1976) وهي عثوره على ترجمة لكتاب المنقذ من الضلال للإمام الغزالي في مكتبة ديكارت الخاصة بمتحفه في باريس، وفي إحدى صفحاتها إشارة بالخط الأحمر وضعها ديكارت بنفسه تحت عبارة الغزالي الشهيرة"الشك أولى مراتب اليقين"وحشّى عليها بعبارة"تنقل إلى منهجنا".
أقول: على الرغم من ذلك كله، فإننا لن نقف الآن على ما سبق، وإنما سنتطرق لبعض ما يثيره هذا الفيلسوف من ضجة في فرنسا نفسها قبل غيرها، ثم نقارنه بالموقف المؤسف لحداثيي العرب .
من الجدير ذكره أن نوعاً من الانتقائية قد حكمت على بروز بعض المفكرين الغربيين وتناسي بعضهم الآخر، فتحت سطوة الرؤية المادية في الغرب تم تنصيب ديكارت معلماً وأبا للفلسفة الحديثة، وجعلت منه نقطة فصل بين مرحلتين زمنيتين مرت بهما الحضارة الغربية، في الوقت الذي أهمل فيه عدد من الفلاسفة الذين لا يقلون شأناً عن ديكارت لمجرد أنهم انتهجوا منهجاً آخر، رفضوا فيه النموذج المعرفي الديكارتي ونقدوه بقوة، ومن أشهر هؤلاء الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668- 1744) ، الذي تم طي صفحته في المراجع الفلسفية حتى كاد يضيع ذكره، فما الذي رفضه فيكو في النموذج الديكارتي؟
ينطلق فيكو في رفضه هذا من القاعدة الديكارتية القائمة على قصر الحقيقة في العلوم الطبيعية المادية والتي يجسدها ديكارت في الرياضيات التي يجعل منها الحقيقة المطلقة، ويهمل ما عداها من العلوم الإنسانية، وهي القاعدة التي انطلق منها الغرب فيما بعد في نظرته المادية للوجود، والتي تفترض وحدة الإنسان والطبيعة والمادة في كل لا يتجزأ، والتي تطورت في زمن قياسي لتصل إلى ما هي عليه الآن من تسليع للوجود، وإهدار لقيم الإنسانية .
ويمضي فيكو في نقده لهذا المنهج إلى القول بأن اليقين الرياضي الذي يعتمد عليه ديكارت يقوم أساساً على النماذج الرياضية التي يبدعها العقل نفسه، وأن الحقيقة التي نتوصل إليها عبر هذه النماذج الرياضية تختلف عن تلك الناتجة عن التجارب الطبيعية، مما يعني تفاوت اليقين المعرفي بين فروع المعرفة الطبيعية، إذ تقع الفيزياء في درجة أقل من اليقين الرياضي، وذلك لأن النماذج الرياضية موضوعة من قبل العقل مما يجعله قادراً على فهمها بشكل كامل، وذلك على عكس الظواهر الفيزيائية التي تعود في وجودها إلى الإله الخالق، مما يؤدي بالضرورة إلى صعوبة التأكد من استكمال الإحاطة بها على وجه اليقين .
وفي هذا نقد وجيه لموقف الفلاسفة الماديين من الطبيعة، ولاعتقادهم بوحدة العقل في الطبيعة فضلا عن استعلائه عليها، والإحاطة بها عن طريق الملاحظة والتجربة، وهو الفكر الذي أوقع الغربيين اليوم في سُكر وجنون العظمة، وأوحى لهم بنهاية التاريخ وسيادة الكون .