فهرس الكتاب

الصفحة 18924 من 27364

سؤال:

لماذا يحتاج الناس إلى الدين ؟ ألا تكفي القوانين لضبط حياة الناس !.

الجواب:

الحمد لله

حاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجاتهم إلى ما سواه من ضرورات الحياة ؛ لأن الإنسان لا بد له من معرفة مواقع رضى الله - سبحانه - ومواقع سخطه , ولابد له من حركة يجلب بها منفعته , وحركة يدفع بها مضرته , والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر , وهو عدل الله في خلقه , ونوره بين عباده , فلا يمكن للناس أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه .

وإذا كان للإنسان إرادة فلا بد من معرفة ما يريده , وهل هو نافع أو ضار ؟ وهل يصلحه أو يفسده ؟ .

وهذا قد يعرفه بعض الناس بفطرهم وبعضه يعرفونه بالاستدلال إليه بعقولهم , وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم إياهم - أنظر التدمرية , تأليف شخ الإسلام ابن تيمية و ص: 213, 214 , ومفتاح دار السعادة , جـ2 , ص: 383 - .

فمهما استعلت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت ومهما تعددت الأفكار والنظريات فلن تغني الأفراد والمجتمعات عن الدين الصحيح , ولن تستطيع أن تلبي متطلبات الروح والجسد , بل كلما توغل الفرد فيها ؛ أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه أمناً , ولا تروي له ظمأً , وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح , يقول أرنست رينان: ( إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه وأن تبطل حياة استعمال العقل والعلم والصناعة , ولكن مستحيل أن ينمحي التدين , بل سيبقى حجة باطلة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية ) انظر: الدين , تأليف عبد الله دراز , ص: 87.

ويقول محمد فريد وجدي: ( يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين ؛ لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها , ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان , بل إن هذا الميل سيزداد , ففطرة التدين ستلاحق الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح , وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه ) المصدر السابق , ص: 87.

فإذا ابتعد الإنسان عن ربه فعلى قدر علو مداركه واتساع آفاق علمه , يدرك عظم جهله بربه وما يجب له , وجهله بنفسه وما يصلحها ويفسدها , ويسعدها ويشقيها , وجهله في جزئيات العلوم ومفرداتها كعلوم الأفلاك والمجرات وعلوم الحاسب والنواة وغيرها ... وحينئذ يتراجع العالم من مرحلة الغرور والكبرياء إلى التواضع والاستسلام , ويعتقد أن وراء العلوم عالماً حكيماً , ووراء الطبيعة خالقاً قادراً , وتلزم هذه الحقيقة الباحث المنصف بالإيمان بالغيب والإذعان للدين القويم , والاستجابة لنداء الفطرة والغريزة الجِبِلََّيَّة ....وإذا تخلى الإنسان عن ذلك انتكست فطرته وتردى على مستوى الحيوان الأعجم .

ونخلص بهذا إلى التدين الحق - الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد , والتعبد له وفق ما شرع - عنصر ضروري للحياة ليحقق المرء من خلال عبوديته للَّه رب العالمين , ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين , وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان ؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته , ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا .

وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان , إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالاً ثرياً ومنهلاً لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها .

وهو عنصر ضروري لتكتمل قوة الإرادة بما يمدها بأعظم البواعث والدوافع ويدرّعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط .

وعلى هذا فإذا كان هناك من يقول: إن الإنسان مدني بطبعه , فينبغي أن نقول: ( إن الإنسان متدين بفطرته ) انظر السابق ص: 84 , 98, لأن للإنسان قوتين: قوة علمية نظرية , وقوة علمية إرادية , وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوته العلمية والإرادية , ولا يتحقق استكمال القوة العلمية إلاّ بمعرفة ما يلي:

1-معرفة الإله الخالق الرازق الذي أوجد الإنسان من عدم وأسبغ عليه النعم .

2-معرفة أسماء الله وصفاته , وما يجب له - سبحانه - , وأثر هذه الأسماء على عباده .

3-معرفة الطريق التي توصل إليه سبحانه .

4-معرفة المعوقات والآفات التي تحول بين الإنسان وبين معرفة هذا الطريق وما توصل إليه من النعيم العظيم .

5-معرفة نفسك معرفة حقيقية , ومعرفة ما تحتاج إليه , وما يصلحها أو يفسدها , ومعرفة ما تشتمل عليه من المزايا والعيوب .

فبهذه المعارف الخمس يستكمل الإنسان قوته العلمية , واستكمال القوة العلمية والإرادية لا يحصل إلاّ بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد , والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً ومتابعةً , وشهوداً لمنته عليه ولا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلاّ بمعونته فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى أولياءه إليه . انظر: الفوائد , ص: 18-19 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت