الأستاذ / جمال سلطان 22/4/1424
عندما وقعت واقعة تماثيل بوذا في أفغانستان، وإعلان حركة طالبان المفاجئ عن عزمها على إزالة هذه التماثيل ، وما صاحب ذلك من حالة هوس في العالم أجمع ، بدا المشهد الإسلامي مثيرا للدهشة والحيرة ، بقدر ما هو مثير للقلق ، وبدا أن هناك بونا شاسعا بين المواقف"الإسلامية"من هذه القضية ، وكأنها مواقف تصدر من مناهج وأيديولوجيات مختلفة ، وليست من منهج واحد لدين واحد ، لقد كان هناك من دافع عن هذه التماثيل واعتبرها لونا من الجمال والإبداع الإنساني ينبغي المحافظة عليه والعناية به ، حتى أن كاتبا صحفيا مصريا"إسلاميا"وينتمي إلى جماعة إسلامية كبيرة ومشهورة ، كتب يقول أن هذه التماثيل نعمة من الله ، وأن هدمها يمثل أبلغ إساءة للإسلام وللقرآن الكريم ! ، وفريق آخر رأى أن هذه التماثيل أصنام وأنها يتوجب إزالتها وتحطيمها لأن قطب رسالة الإسلام هي إزالة الأصنام وهدمها ،وبين هذا الطرف وذاك درجات شديدة التباين في الموقف ، وألوان شتى من التمايزات ، بين من يرى جواز التماثيل ومن يرى حرمتها ، ومن يرى حرمتها ولكن المصالح الشرعية تقتضي الحفاظ عليها وحمايتها ، ومن يرى أن لا مفسدة في الدنيا أعظم من مفسدة نشر الأصنام التي تعبد والدفاع عنها وفتح الباب أمام إحياء الوثنية من جديد . ولم يكن هناك حوار فكري حقيقي ، وإنما كان هناك صراع عنيف بين هذه التوجهات والآراء والمناهج ، يتهم هذا ذاك بالإساءة للإسلام ، ومخالفه يتهمه بإهدار معالم الشريعة ، ويتهم الأول الثاني بالغباء العلمي ! ، ويتهم الثاني الأول بتمييع الدين والتساهل المسف ، وهكذا ، وكان كل فريق يصدر عن ما يمكن اعتباره منظومة فكرية ومنهجية مختلفة عن الآخر ، ولقد كان هذا الاختلاف ـ في الحقيقة ـ موجودا من قبل هذه الواقعة ، ومعالمه حاضرة في أكثر من موقف سياسي أو اجتماعي أو قيمي أو عقائدي ، كالخلاف الشهير حول بعض جوانب حجية السنة ، والموقف من الحجاب والنقاب وبعض الأحكام الفقهية للمسلمين المهاجرين في الغرب ، وغيرها ، ولكن واقعة تماثيل بوذا فجرت المسألة تفجيرا عنيفا وواسع النطاق ، ربما لأنها تتعلق هذه المرة بصلب العقيدة ذاتها وشعار الإسلام نفسه ، الأمر الذي أفاد في كشف الغطاء عن مخاطر حقيقية تتهدد الفكر الإسلامي ، مهما حاولنا إنكارها أو التقليل من مخاطرها ، وأنها تضع الفكر الإسلامي كله على مفارق طرق شديدة الحساسية والخطر .