فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 27364

أ. د. عون الشريف قاسم*

لعل من أفضال النهضة الأوربية الحديثة وما انتهت إليه من حضارة غربية معاصرة، على شعوب العالم، أنها بتحديها الكبير لكل المجتمعات التقليدية، والهزة العنيفة التي أحدثتها في كيانها، قد نبهت هذه الشعوب إلى ضمور شخصياتها، وشحذت عزمها على البحث عن سر هذا الضمور، واكتشاف عناصر القوة في حاضرها، بتتبع منابع الأصالة والإبداع في ماضيها، ساعية بذلك إلى تأكيد ذاتها حتى تقف على رجليها بعد طول سبات في مجال الإبداع والإسهام في بناء الحضارة. وذلك لأن هذه الحضارة - رغم ادعاء الغرب ابتداعها على غير مثال - هي في حصيلتها النهائية جهد مشترك، وحصيلة لكل تراث الإنسان على الأرض. وهي وإن اصطبغت في كثير من جوانبها بالصبغة الأوربية والغربية عامة، فليست ملكًا لأحد، وهي في عمومها إنسانية المنحى، خاصة فيما يتعلق بالأسس العلمية والتكنولوجية التي يرتكز عليها المجتمع الحديث. فالدراسات العلمية والبحوث والنظم الإدارية وما إليها يمكن تطبيقها دون كبير عناء في كل قطر من أقطار العالم تتوافر فيه الإمكانيات والكفايات اللازمة، ومن ثم عمّت هذه الحضارة الحديثة في صورها المختلفة كل بقاع العالم تقريبًا؛ لأنها لا تعترف بالحدود، ولا تصدها السدود، ولكنها - كما برهنت تجربة القرنين الماضيين - لا تنتقل عامة في صور مجردة، بل تتخذ من الأوعية والقوالب والأزياء والأصباغ والألوان ما يجعلها شديدة اللصوق بالشخصية القومية للأمة التي تنقلها. فالإنجليز - مثلًا - الذين استعمروا قدرًا كبيرًا من العالم، لم ينقلوا أسس الحضارة الحديثة مجردة، بل نقلوها بما تهيأ للإنجليز أن يتأثروا بها ويطوعوها ويصبغوها بصبغتهم القومية. ومثل ذلك فعل الفرنسيون، ومثل ذلك يفعل الأمريكيون. فهناك إذن تراث عالمي مشترك هو هذه الحضارة الصناعية التي ارتبطت في كثير من مظاهرها بالمجتمعات الغربية المسيحية، ولكن ذلك وحده لا ينفي عالميتها، ولا يحول بين شعوب العالم الأخرى والاستفادة منها. وهذا نصف المعركة. أما نصفها الآخر فهو تطويع هذا التراث العالمي المشترك لخدمة أغراض البيئة المحلية دون إملاء أو ضغط خارجي، بحيث ينجم عنه إثراء الشخصية القومية وتطويرها بتفجير طاقات الخلق والإبداع في كيانها؛ وذلك ما نسميه بالثقافة، إذ الثقافة حين ننظر إليها من زاوية أثرها في حياة الناس، هي ما يترسب في النفس من تجربة الأمة الحضارية، أو هي الأثر الذي تتركه المعاني والعلوم والفنون وما إليها في شخصية الإنسان. وبمعنى آخر هي ما يمكن تطبيقه من الحضارة على واقع الحياة، أو هي ما يمكن تطويعه من حصيلة المعرفة لبناء شخصية الفرد وتطوير حياة الجماعة. وتتجلى في أبرز صورها في المنحى العقلي العام، وفي المسلك الشخصي للأفراد فالحضارة أعم والثقافة أخص، إذ قد يغلب على الحضارة كإنجاز بشري عام، جانب المثالية والنظرية والعقلانية، في حين لا تكون الثقافة إلا حين يكون التمثيل والفعل والتطبيق والإيجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت