تأليف
محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
الدعوة السلفية بالأسكندرية
المقدمة
الحمد لله وكفى , وسلام على عباده الذين اصطفى, لا سيما عبده المصطفى, وآله المستكملين الشرفا.
أما بعد:
فأصل هذه المادة حوار مع إحدى المجلات الإسلامية,وقد أشار بعض الفضلاءبنشرها مستقلة عسى أن تعم فائدتها,
وقد أعتذرت إليه مراراً نظراً لحاجتها إلى التنقيح والتهذيب,ثم لما طال الوقت ولم أتمكن من ذلك آثرت النزول على رأيه وطبعها على حالها, اغتناماً للفرصة
ومبادرة بالأعمال, على أن تضاف الإستدراكات في طبعة لاحقة - إن شاء الله- والله تعالى من ولراء القصد, وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم
مفهوم الهوية
الهوية:هي حقيقة الشيء أوالشخص التي تميزه عن غيره,فهي ماهيته,وما يوصف به من صفات:عقلية, وجسمية,وخلقية,ونفسية,ويعرف به , كما يدل عليه حديث أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها قالت:( كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر, لم ألقهما قط مع ولدها إلا أخذاني دونه, فلما قدم رسول ا صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء غدا عليه أبي وعمي مغلسين, فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس, فأتيا كالين ساقطين يمشيان الهوينى, فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم, وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي:"أهو هو؟"قال:"نعم والله", قال عمي:"أتعرفه وتثبته؟"قال:"فما في نفسك؟"أجاب:"عداوته والله مابقيت"©©?
© (?) "السيرة النبوية"لابن هشام, و"وفاء الوفا".
فقوله:"أهو هو؟"إشارة إلى هوية صلى الله عليه وسلم وأنه الموصوف في التوراة.
فالهوية هي المفهوم الذي يكونه الفرد عن فكره وسلوكه اللذين يصدران عنه من حيث مرجعهما الإعتقادي والإجتماعي , وبهذه الهوية يتميز الفرد ويكون له طابعه الخاص, فهي بعبارة أخرى: (تعريف الإنسان نفسه فكرا وثقافة وأسلوب حياة) , كأن يقول مثلا:"أنا مسلم"أو يزيد:"منهجي الإسلام", أو يزيد الأمر دقة فيقول:"أنا مؤمن ملتزم بالإسلام,من أهل السنة والجماعة."
وكما أن للفرد هوية فكذلك للمجتمع والأمة هوية مستقلة تتميزبها عن غيرها وإلا تشابهت الأمم كالأسماك في الماء, وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع كلما تعمق إحساسه بالإنتماء لهذا المجتمع, واعتزازه به, وانتصاره له, أما إذا تصادمتا فهنا تكون أزمة"الإغتراب", قا صلى الله عليه وسلم:"إن الإسلام بدأ غريباً , وسيعود كما بدأ غريباً, فطوبى للغرباء" (1) ,
وفي بعض الروايات:"أناس قليل في أناس سوء كثير, مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم" (2) .
والنتماء الوجداني والا نتساب إلى (( الهوية ) )ينبع من إرادة النفس,فَهي قابلة له , راضية عنه, معتزة به, وهذا الانتماء هو الزمام الذي يملك النفس, ويحدد أهداف صاحب الهوية, ويرتب أولوياته في الحياة, فتنصبغ النفس به, وتندمج فيه, وتنتصر له, وتوالي وتعادي فيه, مع نفي الانتساب إلى الهوية مضادة أو مزاحمة, أي: أن هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بناء حواجز نفسية بين الشخص وبين من يخالفونه الهوية.
(1) رواه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه, مسلم في"صحيحه" ( 14 ) , والإمام أحمد في"المسند"
( 5/ 296 ) , والترمذي (2631) , وابن ماجه (3889 ) .
2.رواه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما , ابن المبارك في"الزهد"رقم ( 775 ) , والإمام أحمد ( 2/177, 222 ) , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم ( 1619 ) .
أثر الهوية على الفرد والمجتمع
نظراً لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية, فإنها هي الموجه لا ختياره عند تعدد البدائل , وهي التي تقوم"بتهديف"سلوكه, بحيث تجعلهذا معنى وغاية, كما أنها تؤثر تأثيراً بليغاً في تحديد سمات شخصيته, وإضفاء صفة"الثبات والإستقرار, والوحدة"على هذه الشخصية, فلا يكون إمعة , ولا منافقاً , ولا ذا وجهين .
وبالنسبة للمجتمع فإن الهوية تصبح الواحة النفسية التي يلوذ بها أفراد الجماعة , والحصن الذي يتحصنون بداخله , والنسيج الضام , أو المادة اللا صقة التي تربط بين لبناته , والتي إذا فُقِدت تشتت المجتمع , وتنازعته التنا قضات .
أهم مقومات الهوية
من أهم أركان الهوية: العقيدة , ثم التاريخ , واللغة.
فإذا تكلمنا عن الهوية الإسلامية نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة , بحيث تستغني تماماً عن أي ( لقاح ) أجنبي عنها, فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة , وأصول ثابتة رصينة , تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتمين إليها , وتملك رصيداً تاريخياً عملاقاً
لاتملكه أمة من الأمم , وتتكلم لغة عربية واحدة , وتشغل بقعة جغرافية متصلة وتشابكة وممتدة , وتحيا لهدف واحد هو: إعلاء كلمة الله , وتعبيد العباد لربهم , وتحريرهم من عبودية الأنداد .
هويتنا عقيدتنا