الرباط / إدريس الكنبوري 22/4/1427
في نهاية شهر أبريل الماضي قام الرئيس الصيني (هو جينتاو) بجولة لعدد من البلدان الإفريقية، سبقها بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، ثم زار المغرب العربي حيث حط بالرباط، قبل أن يزور نيجيريا وكينيا محطته الإفريقية الأخيرة، وتُوّجت هذه الجولة بتوقيع اتفاقيات تجارية عدة، خاصة مع نيجيريا؛ إذ وُصفت الاتفاقيات التي وقّعها الجانبان بكونها استثنائية بالنسبة لبكين في إطار سعيها المتنامي لتأكيد نفوذها في القارة السمراء.
الجولة الأخيرة يمكن أن تُعدّ حلقة في مسلسل متطور تشتغل عليه الديبلوماسية الصينية بهدوء، وهي تأتي بعد أقل من عامين على الجولة التي قام بها نفس المسؤول الصيني ووفد تجاري واقتصادي هام في القارة قادته إلى كل من الغابون والجزائر، وتُوّجت بتوقيع عدد من الاتفاقيات للتعاون والاستثمار والتنقيب عن النفط. كما أنها تأتي أيضاً بعد أقل من أربعة أشهر على إصدار بكين لأول وثيقة رسمية تتضمن رؤيتها الإستراتيجية للعلاقة مع بلدان القارة الإفريقية يوم 12 يناير الماضي، وتُعدّ الأولى من نوعها منذ إنشاء جمهورية الصين الشعبية، والثانية في تاريخ الديبلوماسية الصينية بخصوص علاقاتها الخارجية، بعد الوثيقة التي أصدرتها بكين عام 2003 حول سياستها اتجاه الاتحاد الأوروبي.
وقد حقق التغلغل الصيني في القارة السمراء خطوات كبرى في إطار سياسة التقارب والتعاون مع بلدان القارة خلال السنوات القليلة الماضية، مما بات يشكل تهديداً واضحاً للنفوذ الأوروبي والأمريكي، بخاصة وأن الصين تقدم نفسها على أنها صاحبة نهج مختلف في الديبلوماسية الاقتصادية عن الغرب الذي باتت جميع شعوب القارة ترى فيه عنواناً للنهب والاستغلال، مضافاً إلى ذلك الماضي الاستعماري القديم بالنسبة لأوروبا، والذي لا يزال يلقي بثقله على بلدان القارة.
ويرى معلقون غربيون أن النفوذ الصيني المتزايد في القارة الإفريقية يشير إلى أن"العلاقات التجارية الإفريقية أصبحت تتحول بالتدريج من الشمال ناحية الشرق"، ذلك أن الشركات الصينية للتنقيب عن النفط أصبحت حاضرة في عدد كبير من البلدان الإفريقية، كالسودان وأنغولا والكونغو الديموقراطي والبرازافيل ونيجيريا والنيجر ومالي وموريتانيا والجزائر، وأخيراً المغرب حيث وقّع الجانبان عقوداً للتنقيب عن النفط، كما أن شركات النسيج الصينية حقّقت حضوراً قوياً وملحوظاً في مختلف المدن المغربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وقد بنت الصين إستراتيجيتها في القارة على تأكيد حضورها في المناطق التي لا توجد بها الشركات الغربية إما بسبب خطورة الأوضاع الأمنية أو بسبب خضوع تلك البلدان لعقوبات اقتصادية دولية، وهذا ما جعلها تحضر في السودان الذي هو على علاقات غير جيدة مع واشنطن، وتغيب في خليج غينيا حيث الحضور القوي للشركات الأمريكية. كما أنها استغلت غياب الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي لتحتل مواقعه السابقة في بعض البلدان الإفريقية التي كانت في الماضي ذات توجه اشتراكي وتدور في الفلك السوفييتي.
ثلاث مراحل
وقد مرت العلاقات الصينية ـ الإفريقية بثلاث محطات رئيسة منذ العام 1949، تاريخ الثورة الاشتراكية، حين كانت بكين تدعم حركات التحرر في القارة خصوصاً ذات التوجه اليساري والاشتراكي. لكن هذه المرحلة الأولى شهدت تطوراً بعد انعقاد المؤتمر الأفرو ـ آسيوي المنبثق عن مؤتمر باندونغ عام 1955، فشهدت الفترة ما بين 1960 و 1970 تحوّلاً في الديبلوماسية الصينية نحو القارة؛ إذ بدأت تدعم بعض حركات التحرير الإفريقية مثل الجبهة الوطنية الإفريقية في زمبابوي، ووفرت الدعم للأنظمة السياسية الجديدة لما بعد مرحلة الاستعمار في القارة، من خلال المساعدة في إقامة البنيات التحتية وبناء المدارس والمستشفيات، كما كانت تمد الحكومات الإفريقية بالأسلحة.
وفي بداية الثمانينيات من القرن الماضي بدأت المرحلة الثانية، بعد موت الزعيم الصيني (ماو تسي تونغ) ودخول الصين إلى صندوق النقد الدولي محتلة مقعد تايوان، ثم في البنك العالمي، وتميزت هذه المرحلة بالانتقال من الخطاب الأيديولوجي الاشتراكي إلى التغلغل التجاري وإقامة علاقات تجارية واقتصادية مع البلدان الإفريقية. أما المرحلة الثالثة فبدأت في التسعينيات من القرن الماضي؛ إذ بدأت الصين في هذه المرحلة تقدم القروض للحكومات الإفريقية لإقامة البنيات التحتية وبناء سكك الحديد، و أخذت تستثمر في القطاعات التجارية والاقتصادية المختلفة، وتميزت هذه المرحلة بالجولة التي قام بها عام 1996 رئيس الوزراء (زيانغ زيمين) ، وقد أعلنت بيكين خلال ذلك معارضتها للسياسة الأمريكية في القارة، ورفعت خمسة مبادئ في علاقاتها مع بلدان القارة، كشكل من أشكال الرد على الديبلوماسية الأمريكية، وهي: الثقة، واحترام سيادة بلدان القارة، وعدم التدخل، التنمية والمصالح المتبادلة ثم التعاون الدولي.