فهرس الكتاب

الصفحة 18587 من 27364

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (ج 39 / ص 19)

الدكتور: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود

عضو هيئة التدريس في قسم الكتاب والسنة

بكلية الدعوة وأصول الدين

جامعة أم القرى

المقدمة

الحمد لله فعّال لما يريد، بيده الخير، وهو على كل شيء شهيد. والصلاة والسلام على القائل:"من يُرِد اللهُ بهِ خَيراً، يُفقِهه في الدين" [1] .

أما بعد: فقد كنت في زيارة أحد أقاربي، المقربين إلى نفسي في مدينة الرياض، وتناول الحديث معه تعلقه الشديد بأرض الحرم، ورغبته الصادقة في سكناها، والعيش فيها.

وكأني أسخر منه، حين سألته: ولمَ لمْ تفعل؟ فالسبيل ميسر، والوسيلة سائرة، وقد منَّ الله عليك بالتبعية لهذا الكيان الكبير، فلا حدود ولا قيود، وأنت اليوم أصبحت خِلْواً من التزاماتك نحو عملك في الجامعة.!!!

فتبسم ضاحكاً من قولي، وصوّب نحوي نظرة شفقةٍ، وحنان، وقال: هو كما قُلْتَ، ولولا آية في كتاب الله لفعلت.

ووجمت مندهشاً وقد أخذ مني الفضول مأخذاً، نظرت إليه بلهفة، وفي عيني سؤال: وما تلك الآية، يرحمك الله؟!

فتلا قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج /25] . فكأنه أيقظني من سبات عميق في وادٍ سحيق، فأخذت أردد تلاوة الآية الكريمة في نفسي، ورفعت إليه بصري، وسألته متغابياً: وما الذي في الآية من معنى يحول بينك وبين تحقيق حلمك الجميل؟ فردَّ قائلاً: الإنسان منَّا عرضة للخطأ، والنسيان، فيما يقول، ويفعل، ولا يزال تحيط به الملذَّات، والشهوات، والرغبات في نيلها، فيريد أن يحقق لنفسه شيئاً منها، إرواءً لغرائزه، فيَهُمُّ بفعلِ معصية، فلا يقع منه في الواقع فعلها، فيصبح موعوداً من الله بعذاب أليم، لمجرد أنه همّ بفعلها في المسجد الحرام. بينما الأمر بخلافه في أي مكان آخر من المعمورة. فالسلامة أن نقتصر على زيارتها - شرَّفها الله - بين الحين والآخر للحج أو العُمرة، فلا يطول بنا المقام إلاّ بقدر تأديتهما والإنتهاء منهما، فنسلم إن شاء الله تعالى من التعرُّض لسخط الله وغضبه.

هذه المحادثة الصغيرة شدَّتْنّي إلى طلب العلم حول هذه القضية، التي كثر الغافلون عنها ممن سكن مكة المكرمة، وجاور المسجد الحرام.

التمهيد

إنَّ موضوعاً يبحث في معنى الإلحاد، والظلم، وإرادتهما بأرض الحرم، وجوار المسجد الحرام، له خصائص تختلف في أهميتها، وماهيتها عن غيرها، مما يتعلق بمواضيع شرعية أخرى، وذلك لحرمة المكان بما يؤكده المولى جلّ وعلا في القرآن الكريم بأكثر من آية.

والقاطنون بمكة المكرمة من أهلها والوافدون إليها، يهمهم أكثر من غيرهم الوقوف على دقائق هذا الموضوع، وتفاصيله المختلفة، لمن شاء منهم أن ينجو من عذاب الله الأليم، بمعرفة أسبابه، ودوافعه.

فما معنى الإرادة؟ وما المراد بالإلحاد، والظلم في الحرم؟ وما المقصود بالحرم، وبالبيت الحرام، والمسجد الحرام؟.

فشرعت في سبيل ذلك أجمع الآيات من القرآن، والأحاديث النبوية، وأقوال المفسرين حولها، وأقوال أهل اللغة والتاريخ، والسِّيَر. وكان من الطبيعي أن أحدد المراد بالحرم. أهو المسجد الذي تقام فيه الصلاة بجوار الكعبة، البيت الحرام، وما يحيط به من جهاته الأربع من ساحات، وأروقة، ومرافق؟ أم هو كل ما دخل في حدود مدينة مكة المكرمة، البلد الحرام؟.

ومن ثم يتبين المكان الذي يؤاخذ فيه الإنسان بإرادته المجرَّدة، ومضاعفة أجر الصلاة فيه إلى مائة ألف صلاة.

والحِلُّ يُطلق على خارج حدود الحرم، حيث المواقيت للحج والعمرة لمن أَمَّ البيت الحرام، فمن تجاوزها وقد تلبَّس بهما أو بأحدهما منها أو من بلده، فقد وجب عليه إتمامهما، والعمل بأحكامهما.

وتختلف المواقيت التي هي أبواب أرض الحرم قرباً وبعداً عنه، ليستعدَّ القادم إلى البيت الحرام من لتهيئةِ نفسه وحاله، بعد أن تجرَّد من المخيط، لتتجرد نفسه من أغراض الدنيا وشهواتها، وتُقْبِل على ربها مطمئنَّة راضية، تؤدي نسكها {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ/15] ، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج / 29] .

ومكة المكرمة القرية الآمنة، كان نواتُها بعض أهل إبراهيم عليه السلام، أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، ودعا الله عز وجل أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ويرزقهم من الثمار - كل الثمار - فالسكنى كانت (عند) المسجد الحرام، وليست (فيه) مما يدل على أن موضع زمزم حيث ترك إبراهيم ابنه لم يكن من المسجد الحرام حينذاك بل بجواره، والله أعلم، واستجاب الله - عز وجل - لدعوة نبيه وخليله، فاستقر في ذلك المكان من العرب مَنْ بدد وحشة (هاجَر) ، وقوَّم لسان إسماعيل عليه السلام، حتى إذا شبَّ عن الطوق، أنكحوه منهم. ثم عاد الخليل عليه السلام يتفقد تركته، ويعلم من شأنهم ما جدّ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت