فهرس الكتاب

الصفحة 5938 من 27364

نقد مقال قراءة في الذِّهنية السلفيَّة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فقد نشرت مجلة البيان في عددها ( 156 ) قضية للمناقشة بعنوان: « قراءة في الذهنية السلفية » للكاتب الأستاذ نواف الجديمي ، وقد أحسن الكاتب في اهتمامه بالنقد الذاتي لمناشط السلفيين ، فهذا النقد ومحاسبة النفس أمر متقرر شرعاً والحوار العلمي الجاد وسيلة من وسائل البناء والتصحيح ، كما أحسنت مجلة البيان في قبولها لهذا النقد الذي يتوجه إليها ابتداءاً . وثمة تعقيبات على بعض ما نشره الأخ الكاتب نواف - وفقه الله للصالحات- أسوقها على النحو الآتي:

أولاً: ذكر الكاتب أن هذه المآخذ والإشكاليات تسود غالب الاتجاهات السلفية

المعاصرة ، وهذا تعميم خاطئ ؛ فالكاتب لم يحدد هذه المعاصرة لا زمناً ولا مكاناً ولا حالاً ، ولا سيما أن الكاتب أشار إلى قصور استقرائه ومحدودية تجربته .

ثانياً: ذكر الكاتب الفاضل ثلاث ملحوظات رئيسة في قراءته للذهنية السلفية ،

وأحسب أن هذه الملحوظات توجد بنسب متفاوتة في التيارات الإسلامية الأخرى ، وتخصيص السلفيين بها لا يخلو من نقد ومراجعة ، وخاصة أنه قد يشعر القارئ بأن الكاتب يرى بأن هذا ممَّا تفرّد به السلفيون دون غيرهم .. !

ثالثاً: قرر الكاتب أن التيار السلفي دائماً ما يركز على دائرة المعلومات

ويهمل دائرة الأفكار ، وأن السلفيين يهتمون بالحفظ ويهملون الفكر ، وأن من حفظ الكتب الستة فله شأن عندهم دون من تضلع في أصول الفقه . وأحسب أنه لا يخفى على الكاتب الفاضل أهمية حفظ نصوص الوحيين ، وأن ذلك مطلوب شرعاً ؛ فقد تواتر حديث رسول ا صلى الله عليه وسلم حيث قال: « نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها ؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » [1] وهذا لفظ الترمذي من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - ، لا سيما أن العرب قد خُصوا بالحفظ ، وهذه الأمة موصوفة بأن إنجيلها في صدورها . وكما قال الخليل بن أحمد - رحمه الله -: ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ ما العلم إلا ما حواه الصدرولماذا يفترض الكاتب أن حفظ السلفيين للمعلومات كحفظ الحاسب ؟ وهذا قياس مع الفارق لمن له أدنى فكر وتأمل ! وها هو ابن عباس - رضي الله - عنهما وقد طُبع على الحفظ كان يكره كتابة العلم ، ومع ذلك فقد كان له من الإشراقات والفتوحات في التفسير ما لا يحصى ، كما كان صاحب مناظرات قوية مع الخوارج ونحوهم من أهل الأهواء ، فما كان هذا الحفظ إلا سبيلاً لنشر العلم و « المعلومات » الأصيلة ، وإفحام المخالفين ، وحل المعضلات . فلا إشكال في حفظ النصوص الشرعية ، لكن الإشكالية أن يقتصر على الحفظ مجرداً عن الفهم والفقه ، ولو أن الكاتب عني بهذه الإشكالية ، وطالب بإيجاد برامج عملية لاستنهاض الفهم وتنمية ملكات التفكير والتجديد والإبداع لكان أليق وأنسب . ولما هوّن الكاتب من شأن المعلومات هوّل من شأن الأفكار ، وأقول للكاتب: لماذا هذه التفرقة والانفصام بين المعلومات والأفكار ؟ وهل يمكن أن تتأتى الأفكار إلا بمعلومات ، ولا سيما أن كل إنسان حارث ومفكر ، كما قا صلى الله عليه وسلم: « أصدق الأسماء حارث و همام » ؟ [2] . ثم ألا ترى معي أن الأفكار المجردة عن المعلومات الراسخة تؤدي إلى الخلط والاضطراب ؟! فالمعلومات والأفكار متلازمة لا ينبغي الفصل بينها . فالمعلومات أساس الأفكار، والأفكار ثمرة المعلومات . ولعل مقصود الكاتب أن بعض السلفيين أهملوا كتب الفكر واشتغلوا بالكتب الشرعية ، وأحسب أن العناية بكتب الفكر كانت في مرحلة سابقة ، عندما كانت الاشتراكية والقومية ونحوها من المذاهب المادية التي تشكك في الإسلام وتطعن في الغيبيات رائجة في حقبة زمنية ماضية حيث ظهر - ولله الحمد - من كتابات المفكرين الإسلاميين من يذبّ عن دين الإسلام ويفنّد شبهات الخصوم ، كما هو ظاهر في كتب سيد قطب و المودودي - رحمهما الله تعالى - و محمد قطب ونحوهم . فكانت كتب الفكر الإسلامي الأصيل ضرورية تجاه تلك الأفكار المنحرفة ، وكما فعل من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عندما واجه تلك الأفكار الفلسفية والكلامية والصوفية باللغة والأسلوب الذي يفهمه أولئك ، فأظهر الحجة عليهم وكشف ضلالاتهم ، ومن المناسب أن نورد ما يقرر ذلك من كلامه - رحمه الله -: « ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات ، كالسلاح في المحاربات ، فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس و الروم ، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع ، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة ... إلخ » [3] . وأحسب أن هذه الصحوة المباركة قد ارتقت - نضجاً وعلماً - بدءاً من الكتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت