عمان/ ياسر الزعاترة 1/7/1427
عندما تحدث شيمون بيريس عن الشرق الأوسط الجديد وألف كتاباً قدّم من خلاله أطروحته"العظيمة"كان جورج بوش الأب هو سيد البيت الأبيض حينها ، وكان جيمس بيكر هو وزير الخارجية، ولم يكن الصهاينة قد سرقوا القرار السياسي الخارجي للولايات المتحدة تماماً بعد، ونتذكر ضمانات القروض التي رفضت أمريكا منحها لتل أبيب على خلفية موضوع الاستيطان، وهو الموقف الذي قيل إن بوش الأب قد دفع ثمنه خسارة في الانتخابات لحساب كلينتون، فيما رسخ في الذاكرة كعبرة لبوش الابن في تعامله مع اللوبي الصهيوني.
في عهد كلينتون تمدد الصهاينة في الإدارة التي غدت العبرية لغة متداولة في أروقتها، لكنهم في عهد جورج بوش الابن لم يتركوا لسواهم شيئاً، أقله فيما يتصل بملف السياسة الخارجية. وفيما ماطلهم الأول عندما أرادوا توريطه في احتلال العراق، لم يتردد الثاني في الخضوع بعد هجمات أيلول، وذهب إلى العراق مورطاً بلاده في مستنقع قذر لا زال منذ أكثر من ثلاث سنوات يستنزفها مالياً وبشرياً وسياسيا.
بدأ مشروع الشرق الأوسط الجديد بنسخته الشيمون بيريسية وانتهى قبل استلام المحافظين الجدد لمقاليد السلطة في واشنطن، لكنه مع ذلك لم ينجح، ولا ندري إذا كانت وزيرة الخارجية السمراء"كوندي"قد قرأت التجربة وتمعنت فيها.
بعد حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة أراد الصهاينة استغلال اللحظة المناسبة من أجل صياغة المنطقة على مقاسهم، وتحدث بيريس عن شرق أوسط جديد تقوده تل أبيب بدل القاهرة. شرق أوسط مدجج بالتنمية والرفاه. هذا في الظاهر، أما في الباطن فهو شرق أوسط مفكك على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يشتبك الجميع فيه مع بعضهم البعض بينما يتصالحون جميعاً، وربما يتحالفون أيضاً مع الدولة العبرية.
أدرك العرب حقيقة اللعبة، فكان أن تماسكوا قليلاً، وفي قمة الإسكندرية 96 بدأت ملامح التصدي التدريجي لمشروع الشرق الأوسط الجديد عبر رفض التطبيع المبكر مع الدولة العبرية، ورفع شعار ربط التقدم في عملية التطبيع بالتقدم في المفاوضات.
في قمة كامب ديفيد 2 أهيل التراب على حلم بيريس. حدث ذلك لأنه حلم لا يمكن أن يتحقق من دون استسلام عربي شامل، وفي تلك القمة تبدى للعرب أن ما يعرضه الإسرائيليون هو من الهزال بحيث يستحيل القبول به. أما ياسر عرفات فقد قال لمضيفيه الأمريكيين إنه لو قبل بما يعرضونه عليه فسيقتله الفلسطينيون.
الآن وبعد كل هذه السنوات الطويلة كيف يبدو الشرق الأوسط الجديد في خيال كوندي؟
من المؤكد أنه كما شيّد شيمون بيريس بناءه على لحظة استثنائية من الانهيار العربي والتفوق الأمريكي بعد حرب الخليج الثانية ونهاية الحرب الباردة، تشيد كوندي مشروعها على لحظة تراجع غير مسبوق في الوضع العربي مع انسجام دولي استثنائي مع مساعي واشنطن لمواجهة التمرد العربي وروح المقاومة في المنطقة.
حدث ذلك أيضاً لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرح مطلع العام 2004، وعرض بعد ذلك بشهور على قمة الثماني، لكنه ما لبث أن دخل سجل الوثائق المنسية الخاصة بهذه المنطقة، وذلك بعدما أكتشف الأمريكيون أن جوهره (الإصلاح) سيصب في صالح ألد أعدائها من الأصوليين، فحيثما تكون الانتخابات الحرة يتفوق الإسلاميون، بدليل ما وقع في تركيا ومصر والعراق وفلسطين، بل والسعودية (الانتخابات البلدية) أيضأً.
تأتي كوندي بمشروعها الجديد في سياق مواجهة التمرد الاستثنائي الذي تمثله المقاومة الفلسطينية واللبنانية، فضلاً عن العراقية التي تحضر هنا لأن التفرغ لها بعد يعد أمراً بالغ الأهمية، ولا شك أن مواجهة هذا التمرد وإخضاعه يشكل الحلقة الأولى في المسلسل، ولن يتم ذلك من دون استعادة وضع التهدئة في الساحة الفلسطينية بعد الإفراج عن الأسير، مع استعادة الأسيرين الآخرين وفرض مسار جديد على حزب الله يمهد لنزع سلاحه بعد إبعاده عن الحدود من خلال قوات دولية أطلسية.
لا جديد بعد ذلك سوى ما يجري على الأرض، من مطاردة للبرنامج النووي الإيراني والضغوط على سوريا، مع محاولات مستميتة لترتيب الوضع العراقي على نحو يستعيد الأمل بجعله محطة لإعادة تشكيل المنطقة وفق تعبير سلف كوندي السيد كولن باول، وبما يمهد الطريق أمام خطة الانطواء التي سينفذها أولمرت بناءً على برنامج شارون للحل أحادي الجانب.
تلك هي أحلام الآنسة كوندي، لكنها أحلام لن تتحول إلى واقع، وكما تبخر حلم بيريس ومن بعده حلم باول سيتبخر حلمها هي الأخرى، وفي حين تتواصل المقاومة في العراق فيما يتحول نموذجه الديمقراطي العتيد إلى ساحة للموت والقتل على الهوية بعدما قسمه الاحتلال على أسس طائفية وعرقية، فإن أفغانستان تعود إلى هوايتها في مطاردة الإمبراطوريات، ولا تسأل بعد ذلك عن شارع عربي إسلامي يغلي بالكراهية للأمريكان والصهاينة وينحاز على نحو رائع إلى خيار التحدي والمقاومة.