بسم الله الرحمن الرحيم
الأديان جميعا بما فيها الأسلام والنصرانية واليهودية وغيرها تخضع معتنقيها إلى مجموعة من القيم الأخلاقية التى تحدد شخصية الفرد وتحدد علاقات المجتمع بعضه ببعض، كما أنها تفرض قوانين أخلاقية تحدد العقوبات التى تكفل للمجتمع أن يعيش وفقا لهذه القيم الإجتماعية.
ولا يستتنى من هذا الأديان الشركية التى يعبد أهلها الأصنام، لأن أساس التدين يستند في أساسه على الخضوع لقوة عظمى يعتقد معتنقوها أنها هى صاحبة الحق في فرض القواعد الأخلاقية والتشريعية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.
كما أسلفت فإن هذه القيم تستند على معتقدات غيبية ، سواء أكانت هذه القيم قد تمت البرهنة العقلية عليها أم تبناها المجتمع بسبب ظروف إجتماعية أو سياسية في فترة من الفترات.
وعلى الرغم من التباين بين هذه القيم وإختلافها بسبب إختلاف الأديان والمعتقدات، إلا أنها تنطلق في أغلب تشريعاتها وقيمها من الفطرة الإنسانية التى إتفق البشر على تقديسها وإحترامها.
وأفضل مثال على الفطرة هو التقزز من المعاشرة الجنسية بين المثلين والكذب والخداع والسرقة وقتل النفس و والخيانة وغيرها من القيم التى تفرض على الإنسان بحكم خلقته وطبيعته.
لكن من المقطوع به أن الملحد أو اللادينى لا يتبنى هذه القيم الاخلاقية بسبب أنها جاءت من عالم غيبى لا يسلم بوجوده فضلا أن يقبل منه منظومة أخلاقية ولونجحت في فترة من فترات التاريخ في تحقيق المجتمع السعيد، كما أنه لا يسلم بما نسميه الفطرة بسب ان الإنسان ماهو إلا معملا كيميائيا عشوائيا، وما هذه الاحاسيس والغنعالات والحب والكره إلا نتائج هذه التفاعلات.
وحتى لو قبل الملحد هذه القيم بسبب وجوده في مجتمع تمت صياغته بهذه القيم، فإن الملحد أو اللادينى يعيش في صراع داخلى بسبب أن الأساس الفكرى للإلحاد يتعارض مع هذه القيم. ولذلك فإن الملحد لا يرضى على المستوى الفكرى بالقواعد الأخلاقية المقبولة في مجتمعه بصرف النظر عن تبريراتها الغيبية؟
إن رفض وجود الإله المطلق وظهور الإلحاد الحديث بشقيه الفلسفى العقلانى أو العلمى التجريبى أدى إلى ظهور المذهب الإنسانى الذى في حقيقته تأليه الإنسان أو عبادة الإنسان لنفسه أو لاخيه الإنسان.
فكما تطور الإنسان من حيوان بدائى إلى إنسان عاقل حسب مفهوم الإلحاد العلمى التجريبى، فإن الطور الجديد من هذا الحيوان (أى الإنسان الحديث) يعتقد حسب نظرية التطور أن عليه أن يبحث عن أطر أخلاقية جديدة لأن النزعة العقلانية تمنعه من الإنقياد للقيم الاخلاقية الموروثة والتى إنما ظهرت في المجتمع في لحظة من لحظات تطوراته الفكرية والطبيعية.
ولكن ياترى ما هو البرهان العقلى أو التجريبى الذى سيعتمد عليه هؤلاء في صنع منظومة أخلاقية؟ وهل هذه المنظومة ستتطور بتطور الإنسان؟ هل ستحظى بتلك القدسية التى حظيت بها المنظومات الدينية؟
ولنبدأ بمقولة إلحادية كبداية لمحاولة صياغة أو إستحداث منظومة أخلاقية وهى أنه: ليس هناك شىء أسمه حقيقة مطلقةكما يتبناها المذهب الإلحادى.
وهذه المقولة قد سقطت بنفس المقولة السابقة نفسها، أى القول بعدم وجود حقيقة مطلقة ينطبق على المقولة السابقة وينسفها من أساسها.
دعنا نطبق هذه المقولة على الموضوع الأخلاقى، فمثلا لو قال إنسان ملحد أو لا دينى: ( ليس هناك حقيقة مطلقة) ولنفرض ان شخصا أخر إعتدى جنسيا على إبنته؟ لاشك أنه سيحزن ويتألم، ولكن حسب مقولته السابقة فإن ما شعر بأنه خطأ قد لا يكون خطأ بالنسبة لغيره؟
وهنا يضطر الملحد أواللادينى إلى الرجوع للوراء وتعديل مقالته السابقة بقوله (مادمت لا تضر بالآخرين فأنت حر فيما تعتقد وما تحب) .
والمقولة المعدلة تكاد أن تحظى بإجماع في أوساط المذهب المادى الإلحادى كأساس لصياغة منظومة أخلاقية إجتماعية، ولكن هذه الصيغة المعدلة تفتقر كجدتها أو عمتها إلى أى أساس منطقى حسب المذهب الإلحادى نفسه، فهى تفريق عشوائى ، لأنك لو سألته ماذا تقصد بالضرر وعلى أى أساس عقلى يستند لفشل في الإجابة لأن الحق والباطل والخير والشر يعتمد على حقيقة عالمية فرضت على النفوس من خارجها ولم تأتى من تطور القرود والبغال إلى حكماء وعقلاء؟
ولكن دعنا نقوم بمزيدا من التحليل لهذه المقولة: أنت حر ما لم تضر بمصالح الآخرين .
إن مجرد إلقاء نظرة خاطفة على المقولة يمنحها إستحسانا، فهى ترفض التصرفات والأخلاق الضارة على مستوى الفرد والجماعة، لكن المشكلة أن الأنسان المتطور من سلالات القرود قد لا يرضى بهذا الطرح الذى جاء من إنسان تطور من سلالات أخرى.
لكن الإلحاد الفلسفى علمنا أن لا نضفى أى قدسية على أية فكرة لمجرد إستحسانها أو الشعور ببداهتها، فكل شىء فوق طاولة البحث، والمقولة السابقة غير مستثناة من التحليل العقلانى.
والسؤال المطروح الآن: لماذا ككونى ملحدا أو لا دينى أن أتقيد بمقولة أن الأنسان حر مالم يتسبب بضرر للآخرين؟