إبراهيم عبد العزيز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فيما يلي النص الكامل للمقابلة التي أجراها بعض طلبة العلم مع فضيلة الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز بركات حفظه الله ونفع بعلمه آمين:
فضيلة الشيخ بداية نشكرك على إتاحة الفرصة لنا لعقد هذه المقابلة التي نسأل الله أن ينفعنا بها ، وكما يعلم فضيلتكم أن المرحلة القادمة مرحلة حاسمة لذا عذرا لطرح بعض الأسئلة عليك وإن كان فيها نوع من الإحراج .
فضيلة الشيخ: لا عليكم، بارك الله فيكم سلوا عن أي شي ، فإن كان جوابه عندنا أجبنا عنه بكل وضوح وصراحة ، وإن لم يكن عندنا جوابه فأقول لكم لا أدري.
فضيلة الشيخ سؤالنا الأول متعلق بنظرتكم المستقبلية للسياسة المحلية خاصة في ظل هذه التناقضات الجمة والخلافات الكثيرة ؟
جواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمي الأمين وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين أما بعد:
فأشكر لكم زيارتكم وثقتكم وحسن أدبكم ، أما جوابي عن هذا السؤال فهو معروف ، وقد أجبت عنه في كثير من المناسبات وبينت الحقائق التي يجب على كل مسلم معرفتها ، فنحن نمُر في أزمة حقيقية يعلمها الجميع ، ويجب علينا أن لا نخدع بتلك الشعارات البراقة التي تُأمّل الناس بالفرج القريب ، فلا يوجد حل حقيقي للقضية الفلسطينية إلا بالرجوع إلى الإسلام كدين شامل وليس مجرد شعارات تطلق هنا وهناك من هذه الجماعة أو تلك ، ففلسطين كلها أرض إسلامية لا يجوز التنازل عن أي شبر من أرضها سواء كان ذلك فيما يسمى بمناطق ال48 أو 67 وهذا ما أصبح مع الأسف في طي الزمن الغابر عند معظم أهل فلسطين ، إذ تنحصر التطلعات الحالية إلى جزء بسيط من أرض فلسطين ، ولا شك بأن هذه التطلعات مخالفة للدين من باب ، وإضعاف للحق الثابت لأهل فلسطين من باب آخر، فعلى المسلمين في فلسطين أحد أمرين إما المطالبة بجميع أرضهم المغتصبة ، أو التفاوض على ما بقي منها ، والأمر الأول في هذه الظروف الراهنة مستحيل ، والثاني تفريط في الحق الثابت وتنازل عن أرض لا يمتلكها أصلاً الفلسطينيون فهي أرض إسلامية للمسلمين جميعهم ، ولن يرضى المخلصون من أبناء هذه الأمة بتقسيم فلسطين وإبقاء شيء من أرضها بيد المغتصبين ، ونظرتنا للقضية لا بد أن تنطلق من قواعد شرعية لا غير وعليه ستبقى المسألة في دائرة مغلقة وصراع مستمر .
سؤال: فضيلة الشيخ: كما تعلم بأن التنازل عن مناطق ال48 بات حقيقة واقعية بل هنالك إجماع فلسطيني على ذلك ، والمسألة الآن دائرة حول قيام دولة فلسطينية على أرض ال67 فهل من الممكن قيام الدولة الفلسطينية ووضع حلول نهائية لها ؟
جواب: يا أخي بارك الله فيك من أين هذا الإجماع الفلسطيني الذي تزعمه ، فقد قلت لك: إن المخلصين من أبناء هذه الأمة لا يفرطون بشبر من أرضها ، صحيح أن القوى السياسية وبعض الجماعات الإسلامية تكالباً على تحقيق بعض المصالح الخاصة بها على استعداد بأن يغيّبوا الحقائق الساطعة ولكنهم لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يمثلون المخلصين من أبناء هذه الأمة ، ثم إن جوابي عن هذا السؤال له شقّان ، الأول أن تقوم الدولة الفلسطينية على أرض قطاع غزة والضفة الغربية فقط دون القدس ، الثاني أن يشمل قيامها القدس الشرقية ، والاحتمال الثاني غير موجود أي لن يسمح الإسرائيليون بحال في التفريط بالقدس وإعطائها على طبق من ذهب للجانب الفلسطيني ، وأما الاحتمال الأول فممكن على أن تحتفظ إسرائيل ببعض المستوطنات الأساسية على أراضي الضفة الغربية .
سؤال: ولكن فضيلة الشيخ نحن نعرف عزم السلطة الوطنية على تحرير أرض القدس الشرقية وجعلها عاصمة للدولة الفلسطينية ، بل إن السلطة لا تفاوض الجانب الإسرائيلي إلا بناء على ذلك ، فكيف ينسجم هذا الأمر مع قولكم ؟
جواب: يا أخي دعك مما يذاع ويشاع وانظر إلى الواقع بعين نورانية تنطلق من القواعد الشرعية وليس من الشعارات والخطابات والتمجيد في البطولات الزائفة ، إن القدس بالنسبة لإسرائيل قضية مصيرية محورية لا يمكن لأي سلطة منهم التنازل عن شبر من أرض القدس وذلك لاعتبارات عدة منها:
أولاً: ارتباط القدس ارتباطاً حتمياً بعقيدتهم ، فهم يعتبرونها أرضاً مقدسة لا يجوز بحال التنازل عنها .
ثانياً: وجود أماكن مقدسة بالنسبة لهم كحائط البراق المسمى عندهم بحائط المبكى وحي سلوان الذي يعتبر بالنسبة لهم مدينة داوود عليه السلام ، ومقابر اليهود التي تملأ جبل الطور وغيرها من الأماكن التي يستحيل فصلها عن القدس الشرقية .
ثالثاً: تداخل الأحياء اليهودية بالأحياء العربية بحيث أنك لا تستطيع التنقل في الأحياء العربية إلا بمرورك من الأحياء اليهودية .
رابعاً: امتلاك اليهود لكثير من البيوت والأراضي الفلسطينية ملكية بيع وشراء وهذه قضية لا مجال لإنكارها فهي مسألة واقعية ، نعم إن هنالك ممتلكات فلسطينية تم اغتصابها ، إلا انه هنالك الكثير أيضاً من الممتلكات الفلسطينية في القدس تم بيعها لليهود منها بعقود قديمة تم تسليمها حديثاً ، ومنها من بيع بعقود جديدة .
خامساً: عدم وجود قوة رادعة لليهود تحملهم على التخلي عن أرض تعتبر أساسية بالنسبة لهم .
سادساً: قوة المعارضة الداخلية والخارجية والتي منها ما يتحكم بتوجيه قرارات القوى العظمى لصالحهم ، وكما تعلم فإن اليهود لا يعطون الناس نقيراً وهم على ضعف فكيف وهم يعتقدون أنفسهم أعظم قوة في العالم على المجالات كافة .
ناهيك عن نسبة عالية من أهل القدس يحملون الجنسية الإسرائيلية ، وآخرين يفضلون العيش تحت السيادة الإسرائيلية فراراً من السلطة الفلسطينية ، فكل هذه الأسباب تحول دون انسحاب إسرائيل من القدس الشرقية ، ولا أدل على ذلك من الجدار الفاصل بين مناطق السلطة وإسرائيل والذي احتوى على القدس الشرقية بكاملها .
سؤال: ولكن كما يعلم فضيلتكم بأن إسرائيل سبق لها أن انسحبت من أراضٍ كانت تعتبرها مقدسة كانسحابها من أرض سيناء وطابا وغزة ، بل كانت إسرائيل تتفانى في الادعاء بأنها أرض إسرائيل الكبرى التي لا يحق لأحد التنازل عن شبر منها ، فما المانع من انسحاب إسرائيل من القدس الشرقية رغم ما تفضلت به كما سبق لها الانسحاب من غيرها ؟
جواب:أخي الحبيب الوضع في القدس مختلف للغاية ، فإن في انسحاب إسرائيل من بعض الأراضي التي احتلتها مصلحة كبيرة بالنسبة لها ناهيك بأن هذه المناطق كانت عبئاً حقيقاً على دولتهم ، فماذا كانت تستفيد إسرائيل من أرض سيناء خاصة وأنها بانسحابها ضمنت حماية حدودها من ناحية مصر حماية كاملة ، وانسحابها من غزة جعلها دولة سلام في نظر من تحرص على تأييدهم لها ، ناهيك عن المصاريف الباهظة التي كانت تتكلفها لتأمين الحماية لبعض مواطنيها الذين لا يتجاوزون المئات ، وتجنيد أعداد كبيرة من جيشها مما يكلفها الكثير الكثير ، بل إن انسحاب إسرائيل من المناطق التي ذكرت كان حقيقة في مصلحتها على المسارات كافة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، أما بالنسبة للقدس فهي مسألة خاصة الكل يعلم ذلك ، بل لو رجعنا للوراء قليلاً رجعنا إلى عهد رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات أبي عمار فماذا نجد ، نجد أن الرجل كان على استعداد كامل لعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل والخوض في خطة الفصل النهائية وكان مطالباً بتحكيم القانون الدولي ، فلم يكن ينادي بالقضاء على إسرائيل ، أو بالخروج عن القوانين الوضعية الدولية بل كان دوماً يرفع شعار سلام الشجعان ، وكلنا يعرف ما هي بنود الاتفاق التي قام عليها سلام الشجعان ، إذن لماذا جهدت إسرائيل في محاصرته والتضييق عليه ومنعه من مزاولة حقوقه الرئاسية والمطالبة بتنحيته أحياناً وبتصفيته أحياناً أخرى ، وهنالك أقوال تشير إلى قتله على أيديهم وإن لم يكن هنالك أدلة صريحة على ذلك إلا أن ما ذكرت من التضييق عليه كان واضحاً لا مجال لرده ، حقيقة هذا سؤال يجب أن يطرح ، أخي المسألة سهلة: إن المفوضات مع أبي عمار وصلت إلى طريق مسدود كان من الصعب تجاوزه ، فهل كان الطريق المسدود متعلقاً بغزة أو بأراضي الضفة أو باللاجئين ؟ الجواب: كلا طبعاً ، إنما كان متعلقاً بالقدس الشرقية ، فلم يكن أبو عمار مستعداً للتخلي عن القدس لأسباب كثيرة وإن كانت ترجع إلى مفاهيم وطنية وليست إسلامية ، وهذا ما جعله يقف بين خيارين ، الأول: تخليه عن القدس والرضوخ لإسرائيل ، الثاني: خروجه عن الخطة الإسرائيلية ، وما فعله هو الخيار الثاني مما جعله أيضاً تحت خيار لا غنى له عنه وهو دعم بعض الجماعات الجهادية الإسلامية وغيرها لضرب بعض المصالح الإسرائيلية للضغط على اليهود ، إذ لا يمكنه أن يتبنى هو ذلك العمل المخالف للقوانين الدولية التي وافق عليها ، وإلا هدم كل ما بناه ، ولأجل ذلك عملت إسرائيل على القضاء عليه وتقييده قدر المستطاع ، وأرجع بكم أيضاً إلى الوراء قليلاً ، ما هو الأمر الذي فجر الأوضاع في فلسطين وقامت لأجله الانتفاضة الثانية ؟ أليس دخول شارون للمسجد الأقصى، ألم يكن شارون وقت إذ يمثل الحزب اليمني المتطرف ، لماذا إذن حكومة باراك سمحت وقت إذ لشارون بدخول المسجد الأقصى وأثقلته بالحماية ؟ لماذا اختار شارون دخول المسجد الأقصى دون غيره ؟ ألم تكن الحكومة الإسرائيلية تفاوض السلطة الفلسطينية على الحل النهائي ؟ أخي الحبيب كل هذا يجعلنا ندرك بأن القضية هي قضية القدس لا غيرها ، فهل يعقل أن توافق إسرائيل أن تتنازل عن القدس وتفاوض السلطة عليها برئاسة أبي مازن وتترك التفاوض عليها مع أبي عمار الذي كان أكثر قوة وتأثيراً على شعبه ، وأكثر مقدرة على توحيد شعبه تحت راية السلطة ، لماذا تطلق إسرائيل العنان لأبي مازن إن كان ملتزماً بسياسية أبي عمار ؟ الجواب واضح هو إخراج القدس الشرقية من المفاوضات الحالية والمستقبلية وحصرها في التفاوض على غزة والضفة الغربية ، وحدود الجدار التي تتكلف إسرائيل مليارات الدولارات لإقامته أكبر دليل على إخراج القدس من بنود التفاوض.