فهرس الكتاب

الصفحة 9364 من 27364

السياحة : آثارٌ وأخطارٌ

الخطبة الأولى

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،

أمَّا بعدُ:

أيّها الأخوة في الله:

لا تزال هذه الجزيرة العربية هي معقل الإسلام والمسلمين، وعاصمته الخالدة، وقلب العالم الإسلامي؛ ورأس مال المسلمين، والخط الأخير في الدفاع عن الوجود الإسلامي.

وهذه الجزيرة في العالم الإسلامي بمثابة مركز القلب في الجسم الإنساني، فإذا عاش وقَوِي وأدى مهامه في تغذية الجسم بالدماء، حافظ على نظام الجسم الحيوي والصحي؛ عاش الجسم وقوي، وأمّا دب الوهن إلى هذا القلب أو اعتل، وتخلى عن وظيفته ودوره؛ أسرع الموت إلى الجسد، فاستولت عليه الأمراض والعلل، وعجز الأطباء الحاذقون عن إعادة الحياة إليه بالطرق الصناعية الطبية التي يعرفونها.

وذلك أن الجزيرة مركز الإسلام الدائم، وعاصمته الخالدة، وهي البلد المثالي، والمقياس الصحيح الدائم للحياة الإسلامية، ومعيار تعاليم الإسلام العالمية، وصلاحيتها للبقاء والتطبيق، وظهور المجتمع الإسلامي في حيويته وأصالته، وجماله وقوته.

فالرسالة الإسلامية مهما كانت عالمية تجول في الآفاق، لابد لها من مركز يعد مقياساً وميزانا لعمليتها وواقعيتها، وأسوة وقدوة لجميع المدن والقرى والمجتمعات التي تؤمن بهذه الرسالة، وتحتضن هذه العقيدة والدعوة.

ولما كانت هذه الجزيرة، وهذه البقاع المقدسة مصدر الإشعاع العالمي الإسلامي، مقياس قوة الإسلام وسلطانه، كان علماء المسلمين وقادتهم في كل زمن وبلد شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث، ولما يجري فيها من تيارات، دقيقي الحساب لمدى تمسكها بالتعاليم والآداب الإسلامية، ومحافظتها على الروح الدينية والعاطفة الإسلامية، كبيري الغيرة عليها وعلى قيادتها للعالم الإسلامي.

وإنّ من الأمور التي تؤثر على هذه البلاد: ما يطرح في الآونة الأخيرة من مصطلح السياحة في صفحات الصحف المحلية والمجلات الدورية، حيث يجري عرضه على أساس أنه أحد مصادر الدعم المادي للبلاد! وقد صاحب ذلك إعدادٌ لبرامج سياحية هنا وهناك، ورسمٌ للخطط لإقامة مشروعات في صناعة السياحة!.

أيها الأخوة في الله:

إنّ الهدف المعلن للتنمية السياحية هو الجانب الاقتصادي أو المادي، وهذا ما يعلن عنه بوضوح!.

والسؤال هنا: لمن ستعود هذه المكاسب الاقتصادية؟!.

أترجع للبلد الغالي أو إلى المواطن؟!.

أم أنها سترجع إلى أصحاب الأموال وشركات الاستثمار السياحية؟!.

وعلى أية حال، أيا كان المستفيد ودرجة استفادته المادية ومقدارها، فإنّ ما يهم هنا أن ندرك أن أصحاب هذا الهدف الاقتصادي سيتطلعون إلى جلب أكبر قدر ممكن من الناس إلى قطاع السياحة، وتشجيعهم على إنفاق أكبر قدر من مقدراتهم المالية لرفع العائد الاقتصادي؛ والهدف من ذلك تحقق الجدوى الاقتصادية وراء إنشاء المشاريع السياحية الضخمة، وهذا يعني بذل الجهد في إيجاد ما يساهم في تشجيع الناس على الإنفاق المالي سواء كان ذلك للحصول على خدمات أو سلع أو رغبات بصرف النظر عن حلها أو حرمتها وهذا ما يشكل مكمن الخطر.

ومما يشهد على هذه الخطورة: ما نراه من واقع السياحة في العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص، وواقعها في دول العالم بشكل عام.

كما تشهد لهذه الخطورة التطبيقات الأولية المحلية الحالية والإرهاصات المستقبلية لها. يقول الله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) . [سورة الإسراء، الآية: 16] .

إن دعوى أهل الصحافة والأقلام حول أهمية السياحية للاقتصاد تحتاج إلى نظر وتأمل، وذلك من خلال طرح الأسئلة التالية:

هل فعلا هذا هو المصدر ذو الأهمية الأولية التي يتوجب التوجه له حالاً، وبكل قوة؟!.

أم أن هناك مصادر أخرى أبلغ في تحقيق الدعم للاقتصاد ومعالجة مشاكله؟!.

وهل مخاطر هذه السياحة وآثارها على معتقدات البلد وأخلاقياته وأعرافه تُعدُّ الأقل من بين نظيراتها من الوسائل الداعمة للاقتصاد؟!.

وما أثر هذه المخاطر على الاقتصاد ذاته على المدى البعيد؟!.

وهل مآل هذه التنمية السياحية مقبولٌ شرعاً وعرفاً وعقلاً؟!.

إنّ السياحة عند جميع الاقتصاديين تعتبر رافداً للاقتصاد، لا أصلاً كما يصوره بعضٌ من الكُتّاب، ولو صرفت هذه الجهود في سبيل التنمية الزراعية أو الصناعية ونحوها لاستفاد المجتمع بإيجاد ركائز اقتصادية ضخمة، ولسلم العباد والبلاد من شرور ومخاطر السياحة.

وإن نظرةً واقعية إلى دولة من أعظم البلدان في مجال السياحة، والتي تمتلك كثيرا من آثار الفراعنة والقرى السياحية ما لا تملكه غيرها من الدول، إضافة إلى الخبرة الكبيرة في هذا المجال، ومع ذلك فإنها غارقة في الديون، بالإضافة إلى ما سببته السياحة لها من مفاسد عقدية وأمنية وأخلاقية.

أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت