فهرس الكتاب

الصفحة 13001 من 27364

حامد بن عبد الله العلي

* لم يصدُق كاتب من غير المسلمين في كشف حقيقة المذهب (اللبرالي) كما صدَق الكتاب الأمريكي ( r ASSEL JACOBY) إذ وصفه قائلا: (إنه ليس فقط مفتقدا تراثا كلاسيكيا واضحا، بل مختلطا أيضا بالغموض والفضيحة، ثم نقل كلمة في غاية الدقة، عبر بها أحد كبار مؤرخي فرنسا عن هذا المذهب:(لقد كنا غير محظوظين، بشكل استثنائي، في اختيار هذا الشعار، ومن الصعب أن تجد شعارا آخر أكثر ابتذالا وأقل لياقة منه بالتأكيد، ليس ثمة شعار يمكن أن يكون نابيا وبلا دلالة مثله،..شعار ذو أصل حديث مبتذل، لا علاقة له بأصل كلاسيكي.. شعار بلا مستدعيات أدبية أو تاريخية.. شعار مجرد تماما من أي صدى ديني أو أخلاقي.. شعار يمكن أن يعني التفكك وفق أهواء كل فرد.. وكل مواطن يحمل في قلبه مصالح وطنه، لابد أن يأسف لسوء اختيار هذا الشعار الذي لا يلائم جمهورية عظيمة على الإطلاق) .

* أتدرون لماذا يختلط هذا المذهب بالغموض والفضيحة، وأنه مقطوع الأصل، مجرد تماما من المستدعيات الأدبية والتاريخية، ليس له أي صدى ديني أو أخلاقي، لأنه ـ وفي خدعة ماكرة ـ عندما يوهم الناس أنه يحررهم، إنما ينقلهم فحسب من عبودية تقود إلى السعادة، إلى عبودية تقود إلى الشقاء، لأنه ببساطة لا يمكن أن يكون الإنسان غير عبد لأحد، إما أن يعترف بعبوديته لخالقه، وإلا صار عبدا لمخلوق مثله، أو لشهواته وهواه، واللبراليّة لا تصنع شيئا سوى نقله من حالة يرى الإنسان فيها نفسه مسؤولا أمام خالق سيلقاه فيحاسبه على قدر تمسكه بالشريعة التي أنزلها عليه ليستقيم.

*إلى حالة يرى الإنسان نفسه عبدا لهواه وشهوته، أو لمخلوق جاهل مثله، وهم مخترعو اللبرالية، فكأن هذا المذهب يقول للناس: كونوا عبيدا لأهوائكم، فإنه لا خالق لكم، أو إن خالقكم خلقكم عبثا لا ليأمركم وينهاكم، فكلّ يرى ما يرى، ويقول ما يقول، ويعتقد ما يعتقد، ويحل ما يحل، ويحرم ما يحرم، عيشوا أيها الناس في هرج ومرج، ازنوا، واسكروا، وامشوا عراة، وارقصوا.. إلخ، ولهذا قال - تعالى - (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) فالحق هو العبودية للخالق، والأمر المريج هو (البرالية) بعينها.

*وغموضها يأتي من جهة اختلاف منظريها فيما بينهم، واضطرابهم غاية الاضطراب، وكل المؤمنين بها، مقلدون لثلاثة من فلاسفة أوربا في قرون التخلف، (هوبز) ، (وهيجل) ، (ولوك) ، كلهم منقادون إلى هؤلاء الثلاثة.

منقادون لهم: كبهيمة عجماء قاد زمامها ** أعمى على عوج الطريق الجائر

* ثم إنك إذا قرأت كلامهم، وجدته متضاربا، متناقضا، غامضا، تدخل حائرا، وتخرج حائرا، ما الذي يريده هؤلاء؟... وإن كنت قد قرأت القرآن، فستجد شفتاك تنطق بهذه الكلمات.. حقا إنهم: (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران) أو تتذكر وصف الإمام احمد بن حنبل - رحمه الله - لأهل الكلام في عصره (مخالفون للحق، مختلفون على الحق، متفقون على مخالفة الحق) .

* وهو مذهب اخترعه ملاحدة أوربا، في عصر انتشار اللادينية، بعد الثورة على الكنسية النصرانية المشركة، ويزعم مخترعوه أن قطب رحاه هو الحرية، إياها يعبدون، ولها يركع ويسجدون، وعجبا لأمر هذه الحريّة الزائفة، التي يطالب بها من يطلقون على أنفسهم (الليبراليّون) في كل مكان من العالم.

* عجبا لها، مالها مبذولة لكلّ أحد، وفي كلّ وقت، وفي كلّ شيء، إلاّ في حال واحدة فحسب، إذا كانت في صالح المسلمين، وأدت إلى إظهار الدعوة الإسلامية، فهي حينئذ ممقوتة، مسخوط عليها، محاربة.

*وقد أسفرت عن سوءتها هذه، من أول يوم حطّت فيه قدمها ـ لا مرحبا بها ـ بلاد المسلمين، حين فرض (أتارتورك) وهو أوّل من سنّ سنّة فصل الدين عن الحياة والدولة في أهل الإسلام ــ ومن سن سنة سيّئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ــ حين فرض بدعة العلمانيّة على قومه.

*فقد أخذ من العلمانيّة اللادينيّة الغربيّة كلّ شيء في بادئ الأمر، وأطلق الحرية في كلّ شيء، إلاّ حريّة المسلمين في اختيار دينهم، لأنه علم أن ذلك الأمر، سيقلب عليه مخططه الخبيث رأسا على عقب، ذلك أن لو ترك الترك آنذاك وحريتهم، لاختاروا دينهم.

*وتأمل هذا التناقض المضحك المبكي: فقد بلغ به الأمر أن فرض معاقبة من يحول بين النساء وبين حريتهن في التعري، لكنه لم يسمح بالحرية في أبسط الأمور المتعلقة بحياة الإنسان، وهو ما يضع على رأسه من اللباس.

*ففرض على جميع الترك، استبدال القبعة الأوربية بالطربوش، مع أن القبعة تكون على رأس الأبله، والمجنون، والمتحضر، والهمجي، ولا شأن لها بتكميل عقل، ولا تحضير همجي، وليس لها هذا الأثر الخطير على النهضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت