*غير أنه لم يكن يريد القبعة لذاتها، بل كان يريد تربية الرأس المسلم على أن الغرب قبلتك، فول وجهك شطرهم، وخذ حسناتهم وسيئاتهم، وما يحل وما يحرم، حتى لو كانوا عُورا، فاستطعت أن تكون مثلهم فافعل، لقد أراد أن يسب العرب ودينهم، وضاقت به الأساليب التي تظهر هذه العزيمة بوضوح، فلم يف بذلك إلا هذا الأسلوب.
* واليوم في تركيا يعود هذا الدور في مصادرة حرية الشعب التركي، الذي يتجه لدينه، ويتمثل ذلك في إغلاق مدارس الشريعة، وفصل الضباط المنتمين إلى أي شعار من الدين حتى الصلاة، فصلهم من الجيش، ومطاردة من ينشد حريته في عبادة ربه فحسب، وكذلك يفعل دجالجة الليبرالية دعاة الحرية الزائفة في كل مكان.
*وفي المضمار نفسه، يجري كل من يدين بدين (الليبرالية) ، أي الحرية فيما زعموا كذبا وزورا، فهم يريدونها إذا كانت تنقل حياة الغرب بعجرها وبجرها إلينا، ولا يريدونها إذا كانت تؤدي إلى تأدب المجتمع بآداب الإسلام وأخلاقه.
*أنهم يريدونها إن كانت تنشر الرذيلة، والعري، والعهر، والكفر، ويرفضونها، إن كانت تلبس المجتمع لباس التقوى، والفضيلة، والحشمة، والعفة.
*وهم يبتغونها إن كانت تمجد الإلحاد، وتقدس مدارسه، وتعلي رموزه، ويشمئزون منها إن كانت تعظم الإيمان، وتكرس مناهجه.
*وهم يهتفون لها إن قالت لمن يشوه الإسلام، ويشكك في ثوابته، وينكر محكماته، ويستهزأ بشرائعه: إنه مفكر حر، ومثقف مستنير، ومتحرر من رق الرجعية، وداع إلى التخلص من الظلامية.
*ويعرضون عنها، إن كانت تأسس نهضة الأمّة على قرآنها، وسنّة نبيّها، وتاريخها المجيد.
*أما إن كان مفكروا الأمة يستلهمون نهضتها من دينها، فهم ليسوا أحرارا، إنهم متطرّفون، إرهابيّون، أصوليّون، ظلاميّون، رجعيّون، يتستّرون بالدين لمقاصد سياسيّة.
* فشعار مدعي الحريّة الذين يطلقون على أنفسهم (ليبراليون) هو: الحرية للجميع إلا لدعاة الإسلام، وحقوق المسلمين، إنها حلال لهم حرام على غيرهم.
*وهل يحق لنا أن نعجب من تناقض هذه العقيدة، إن رأينا داعية الحرية في العالم، وحاملة لوائها أمريكا، نصيرة الشعوب المظلومة!! وأسوة (الليبراليين) العظمى!! تلعب هذا الدور بصورة سافرة كاشفة سوءتها لا تحتشم من حياء، ولا تستتر من عفة.
*فهي في حين تتباهى بأنها حامية حمى الحرية في العالم، تعيث في العالم فسادا وإفسادا، وتعبث بكل ما تدعيه من قيم زائفة كبرا وعنادا، وتفتح أبواب الدمار على الشعوب، فتحشر عليهم ما لا يحصى جنودا وعتادا، وتهلك الأبرياء بغير حساب، وتستعبد بني آدم، وتسوقهم قسرا إلى الخضوع لها، وتفرض مبادئها العلمانية خيارا واحدا على العالمين، قائلة: هذا أو الحصار والدمار.
*فإذاً ليس الغرض الذي يجدّ وراءه الليبراليون، دعاة هذه الحرية الكاذبة الزائفة، إخراج الناس من ذل العبوديّة إلى آفاق الحريّة، كلّا بل تقويض هذا الدين، وتفكيك مفاهيمه الأساسيّة في الفكر والمجتمع، ومصادرة حقّ المسلمين في ظهور دينهم، واسترداد حقوقهم.
*يريدون ليصرفوا عقولنا، ويغيروا عقائدنا، ويفسدوا آدابنا، ويدخلونا في مساخط الله، ويهجموا بنا على محارمه، ويركبونا معاصيه، ثم يتصرفون بعدُ في هذه الأمة كما يشاءون.
*وهم في أنفسهم ـ أعني دعاة الليبراليّة ـ حيارى لا يعلمون ماذا يريدون، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فهم في أمر مريج، ومبادئهم مضطربة غاية الاضطراب، ينظرون إلى الهدى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بريب وشك، وقد أطلقوا عليه التراث ثم انقسموا فيما بينهم عزين، فكروا وقدروا، فقتلوا كيف قدروا، ثم قتلوا كيف قدروا، ثم عبسوا وبسروا، وتحيروا:
*بين أحياء التراث ورفضه، وبين الانتقائية والتوفيقية إزاءه، وما هو التراث؟ وهل هو الدين فحسب، وهل هو صيغة واحدة أم لكل فرقة في التراث تصوراتها الخاصة حول الدين، هل يحمل التراث دعوة دينية منعزلة، أم أيدلوجية شاملة انبثقت منها أيدلوجيات شتى، هل سخر ويسخر التراث لخدمة النزعات الشخصية الزعامية الملكية، أو الحزبية السياسية، ما مدى خصوصيته أو تأثره بما قبله، هل هو خير كله أم شر كله وما معايير التمييز بينهما أن كان جامعا لما، ما علاقته باستقلالية الفكر وحيادية العلم، وما مدى إمكانية استلهامه لإنجاز مشروع نهضوي كبير، وما هو المنهج الذي يصاغ لمعالجة التراث وهل يعالج معالجة بنيوية أم تاريخية أم أيدلوجية، هل نقرأ نصوصه قراءة مثالية من منطلق لاهوتي في إطار ثيولوجي غيبي، أم قراءة تاريخية اجتماعية برؤية مادية ومنهج جدلي ماركسي، هل العقيدة في التراث حلم طوبوي خرافي خيالي، أم حقيقة؟ هل يمكن صياغة برنامج إصلاح من التراث وكيف يكون، ما هو النسبي والمطلق في التراث، إشكالية الأصالة والمعاصرة فيه، المعقول واللامعقول فيه.
*هل منحى أدونيس في رفض التراث رفضا باتا هو الحق، أم منحى السلفية في إحياءه، أم توفيق فريق حسن حنفي، أم انتقائية زكي نجيب محمود، أين الطريق وأين الهدى؟؟
* تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، ولا يزال بنيانهم الذين بنوا ريبة في قلوبهم، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون.