فهرس الكتاب

الصفحة 13908 من 27364

عبدالله الزايدي 24/4/1427

يصف دعاة التنوير ذواتهم بالتقدمية ومواكبة العصر والتطورية، وينعون على غيرهم -خصوصاً خصومهم التقليديين (الإسلاميين ) - تعلقهم بالقديم وارتباطهم التراثي، وانشدادهم للماضي، وخصومتهم للمجتمع، وفي ذات الوقت نجد هؤلاء الدعاة يقعون -وبصورة أشد- فيما يتهمون به خصومهم.

وحتى لايكون الأمر دعاوى لا تستند إلى البرهان، نقف مع أحد أبرز دعاة التنوير في بلادنا المملكة العربية السعودية، الذي يعده العديد من المتابعين أبرز وأعمق منظري الفكر التنويري كما يصفونه، وهو أكثر من كتب عن التنوير محبذاً وداعياً، ومنافحاً من خلال مقالات عدة في إحدى أبرز الصحف السعودية:

فنجد أبرز سمات فكره التنويري واضحة في كتاباته، وهي سمات تتناقض مع دعاوى التقدمية التي يبشر بها، ويمكن إيجازها على النحو التالي، مستندة إلى شواهدها من مقالاته المنشورة:

أولاً: الانشداد للماضي الأوروبي الذي مضى عليه أربعة قرون، وتجاوزه الواقع الأوروبي بمراحل، ولا يزال التنويري الكبير يحلم بتلك الفترة، ويعمّم أثرها على كل الإنسانية، حتى على المجتمع المسلم الذي لم يخرج من الظلمات إلى النور في رؤية التنويري إلاّ بفكر التنوير الأوروبي؟! فيقول:

1 -لم ينهض التنوير الأوروبي المجيد، الذي أخرج الإنسانية من ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط، إلى نور العلم والتقدم والمدنية الإنسانية، إلاّ على إيمان راسخ وعميق بهذا الإنسان، إيمان متفائل، يتكئ على فعاليات عقلية، ومعطيات تجريبية من عالم الوقائع المادية، ولكنه - قبل ذلك وبعده - يكاد يكون عقيدة كلية، تستولي على مشاعر أولئك الفلاسفة العظام، في عصر النهضة الأوروبية.

2 -كما لم يأت التنوير الأوروبي من فراغ؛ فإنه - كذلك - لم يقم في فراغ. لقد كان الوقع المظلم لأوروبا في القرون الوسطى هو الباعث أو المسوّغ لطرح سؤال التنوير الذي أخرج أوروبا من الظلمات إلى النور. ولا يزال التراث التنويري، يمد العالم أجمع بنفحات من الحياة، يصعب أن تعيش بدونها؛ على الرغم من بعض صور العقوق له، حتى من أبنائه، وعلى الرغم من القراءات التي المتجاوزة من جهة، والمضادة لنهائيات القيم التنويرية من جهة أخرى.

3-اجترار مصطلحات الفكر الماركسي ومفرداته الخطابية نحو الخصوم: الظلامية، الرجعية.

على الرغم من مزاعم التنويري بالحداثة والتقدم إلاّ أنه موغل في التخلف واجترار مفردات الخطاب الشيوعي أيام الستينيات؛ فهو يصف مخالفيه بالرجعية والتخلف فيقول: هناك - أيضاً - من يستفيد معنوياً من هيمنة الوعي التقليدي الرجعي. القيمة المعنوية لسدنة الرجعية مرتبطة ببقائها - ومن المعلوم أن مصطلح سدنة الرجعية أحد أبرز المصطلحات الشيوعية شيوعاً في الأوساط العربية في فترة الستينيات.

4-العداء المطلق للآخر (الإسلامي) وثقافته؛ ففي كتابات هذا الكاتب عداء شديد للثقافة الإسلامية، يتضح جلياً في مفردات السباب التي يوجهها لهذه الثقافة؛ فهو يصف ثقافة المجتمع المسلم الذي يعيش فيه بأبشع الأوصاف، فهي (ثقافة الغباء) ، و (ثقافة الموت) ، و (الثقافة الآتية من عصور الانحطاط) ، و (الثقافة البائسة) .

وهذه الشتائم لثقافة المجتمع المسلم الذي يعيش الكاتب فيه بجسده، ويغترب عنه بفكره تتكرر في أكثر من مقال، بل تتردّد أحياناً في المقال الواحد.

5 -تأكيد حالة الصراع الدائم مع المجتمع والاغتراب عنه، والاستعلاء عليه، ووصفه بالجهل والظلامية والخصومة معه ومع ثقافته، والدعوة للصراع مع المجتمع والقوى النافذة فيه، والتي تقف موقف التوجّس من دعوته، في نفس الوقت الذي يهاجم فيه أعلام الدعاة بأوصافهم بزعم أنهم يثيرون ثقافة الصراع في المجتمع، فمن أقواله الغريبة في هذا السياق:

أ ) وكلّما تكشف الواقع عن روح ظلامية رجعية كان إحساس الفاعل التنويري بأهمية دوره التاريخي إحساساً عميقاً؛ يدعوه إلى (الجهاد) في سبيل التنوير، حتى النفس الأخير.

ب) هناك من لا يريد أن تظهر العلاقة بين التقليدي والتنويري على أنها علاقة صراع، وإنما يريدها علاقة حوار وتكامل. هذا حلم جميل. لكن طبيعة الوعي التنويري التقدمي، لا يمكن أن تكون في علاقة سلام مع الوعي التقليدي الرجعي الذي يحاول الرجوع بالأمة إلى الوراء. كل مفردة من مفردات التنوير الإنساني، ستجد لها ما يضادها من مفردات السلفية التقليدية التي تقف على الضدّ من الإنسان.

ج) التحوّلات الاجتماعية لا تسير بمنطق الأحلام الجميلة، بل هي إلى منطق الصراع أقرب. لن يرضى التنويري بالانسياق إلى غياهب الظلامية التقليدية، وكلّما تكشّف الواقع عن روح ظلامية رجعية؛ كلما كان إحساس الفاعل التنويري بأهمية دوره التاريخي إحساساً عميقاً يدعوه إلى (الجهاد في سبيل التنوير، حتى النفس الأخير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت