ورثت الدولة القومية الإسلامية الحديثة عالما من التناقضات، فعلى حين كانت تسعى للتحرر من الاستعمار الثقافي السياسي بعد الاستقلال، بدأ الاستعمار الجديد يتجلى بصورة مباشرة بصياغة علاقات اقتصادية وسياسية، تمنح المركز اليد العليا في التعامل مع الشئون الدولية والاقتصادية لتوابعه السابقة، وفي رأى العديد من المفكرين العرب، فإن العولمة هي المرحلة الأخيرة من الاستعمار الجديد"إنها ذروة نجاح المشروع الرأسمالي العالمي النطاق" (41) .
فقد سمح الاستعمار الجديد للمركز بالحفاظ على أسواقه ونفوذه الثقافي وأحياناً قواته بأقل كلفة، وعلى حين يمكن قياس وتقدير كم العوامل الاقتصادية، يصعب قياس الثقافة بنفس الطريقة، فقد خلفت نهاية الاستعمار الرسمي ركاماً ثقافياً معقداً لا يمكن التغلب عليه بين عشية وضحاها، ووجدت نخبة الفكر في النظام القديم التي حاربت الاستعمار السياسي دون الثقافي نفسها في مركز مسيطر، واقعة بين الثقافة الغربية التي تبنتها وثقافة البلد الأصلية ودعم الذين آثروا التعريب ـ كما في شمال أفريقيا ـ التنوع الثقافي والاستقلال عن ثقافة الغرب المسيطرة.
إن ما بعد الاستعمار - توأم الاستعمار الجديد الذي ظهر منه - نتاج النظام العالمي الجديد (42) . وغالباً ما يستتبع الاستعمار كحدث تاريخي ذي أهمية قصوى احتلال قطر (أوربي) لقطر آخر عسكرياً، والسيطرة المباشرة على الموارد الطبيعية، بما يخلق نوعاً من التمايز بين المصالح الاستراتيجية للمستعمر. لقد سعت النخبة السياسية للدول القومية العديدة لتحديث بلادها من خلال التقليد الأعمى للغرب، واستفادت من الحماية السياسية والعسكرية التي أسبغها الغرب عليها.
فعلى سبيل المثال لم يثر الغرب في هذه الأقطار قط مسألة حقوق الإنسان، ولا غياب الديمقراطية؛ لأن مجمل اهتمامه كان موجهاً للحفاظ على مصالحه، وتأسس الاستعمار الجديد على شكل جديد من السيطرة الاقتصادية يسمح بظهور الأشكال المتمايزة الأخرى من الهيمنة أي السياسية والفكرية والثقافية.
لقد شعرت أقطار العالم الثالث، إلى حد ما، بالتخفف خلال الحرب الباردة من ضغط الغرب السياسي والثقافي ؛ لأن توازن القوى العالمي سمح لها بالعمل بحرية، ومع ذلك تغير الوضع القائم بانهيار النظام السوفيتي والهزيمة العسكرية للعراق، وترك هذان الحدثان العالم العربي والثقافة العربية بلا دفاعات في وجه الهيمنة الأمريكية، وبظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، اتهم المركز ـ ولا يزال ـ عددًا من الدول مثل كوبا وسوريا وليبيا بدعم الإرهاب.
لم يزل الهامش يعتمد على المركز منذ عصر الاستعمار، وأسس انتشار الأفكار عبر الأقمار الصناعية علاقة جديدة بين العالم الإسلامي والغرب، ويمارس الغرب ما يمكن دعوته بـ"ثقافة إمبريالية"مهيمنة (43) ، ويلفت معظم المفكرين المسلمين الذين شبوا في ظل الاستعمار أنظارنا إلى الاستنتاجات الرئيسة للمفكرين الأوروبيين، وحتى الأمريكيين، حول صعود الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة ، وتأثيره الثقافي العالمي، حتى داخل أوربا، ويقولون:"إن"الإمبراطورية الأمريكية هي الوحيدة في العالم وهى المتقدمة بشكل مطلق، ولأول مرة في التاريخ الإنساني تظل هذه الظاهرة الغريبة باقية" (44) ."
إن الولايات المتحدة إمبراطورية فريدة، فهي المنتج الرئيس لكل أنواع السلع وهى أيضا مستهلك شره، وتاريخها مميز من بدايته الأولى بميل متطرف إلى التوسع:"إن التاريخ الأمريكي بكامله موسوم باتجاه دائم نحو التوسع، الظمأ للأراضي، الظمأ للقوة ، والظمأ للجدة شأنها شأن العديد من الحاجات التي يتوجب إشباعها" (45) ووفقا لرأي الناقد الأدبي الأمريكي ذائع الصيت"إدموند ويلسون"لم يكن التوسع الأمريكي فيما وراء البحار في أعقاب هزيمة ألمانيا النازية محض مصادفة:"كنا نعتقد أننا نحرر أوربا ونناضل استعمار اليابان الإقطاعية، ولكننا ظهرنا فجأة بعد الحرب (العالمية الثانية) محتلين أو مسيطرين على الأقطار الأجنبية في كل من أمريكا وأوربا وآسيا والشرق الأوسط دون ترحيب أحيانا، كما كان الفرنسيون في الجزائر، أو البريطانيون في قبرص، أو الروس في أوربا الوسطى، وبعد أن صدمنا استعمار الآخرين لسنوات طويلة طورنا نوعًا جديدًا خاصًا بنا، ووجدنا أنفسنا نعبس في وجه الاتحاد السوفيتي، وننفق المليارات على أسلحة موجهة ضده، وعلى أسلحة كان مجرد تجريبها خطرا على سكان بلدنا ودون أية استفزازات حقيقية لنا، ولكن لسبب محدود المعقولية وهو أن نتحدى الروس السوفيت للسيطرة على أجزاء واسعة من العالم" (46) .
إن الأمركة المنتصرة -في رأى العديد من مفكري العالم الثالث- هي التجلي الحديث للعولمة، وتؤيد الأمركة نوعا جديدا من النماذج الاقتصادية والثقافية"فالعولمة إلى جانب كونها نسقا اقتصاديا فإنها أيديولوجية تخدم هذا النسق فالأمركة والعولمة متضافرتان بشكل بالغ" (47) .