طلعت رميح 15/3/1423
تعاني السياسة الصهيونية من ارتباك شديد والمظاهر متعددة أبرزها إلغاء أو تأجيل أو تعديل خطة العدوان العسكري على غزة أحد المؤشرات.
ومظاهرة الستين ألفًا في قلب تل أبيب مؤشر آخر، وتصويت الليكود برفض قيام دولة فلسطينية مؤشر ثالث، وانهيار خطة شارون لعقد مؤتمر إقليمي مؤشر رابع إرجاء العدوان العسكري على غزة جاء في ظل تحذير من الرئيس المصري حسني مبارك ، ويبدو أن الولايات المتحدة شعرت بقلق حقيقي من احتمالات انفجار الوضع في المنطقة، بما يهدد كل خططها خاصة وأن التحذيرات المصرية استندت إلى بنود اتفاقية كامب ديفبد التي تحظر حشد القوات على طرفي الحدود، والتي تمثل بالنسبة لخططها أهم خطوة في السيطرة على الشرق الأوسط .
التأجيل أو الإرجاء أو التعديل ، عكس -أيضًا- ارتباك الجيش الصهيوني وتردده نظرا للتأكيدات المتعددة على فشل عملية السور الواقي في تحقيق أهدافها ، حيث تتصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية يوما بعد يوم، وكذلك بسبب قلق هذا الجيش الصهيوني من شدة عنف المقاومة المتوقعة في غزة بما يفوق - بمراحل- ما لاقاه في جنين، إذ ذكرت التقارير العسكرية الصهيونية أن خسائر الجيش ستفوق كل التوقعات .
"الفشل الذريع في توفير الأمن"
كما أن مظاهرة الستين ألفًا في تل أبيب مؤشر على استبداد القلق بالجمهور الإسرائيلي الذي بات مؤكدًا أن كل خطط الحسم العسكري (حقل الأشواك- جهنم - السور الواقي) فشلت في توفير الأمن له وأن شارون يقودهم نحو كارثة، والأهم أن المظاهرة طالبت بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية، وأنها الأولى من نوعها بهذا الحجم بما يذكَّر بمؤشرات الانهيار الداخلي التي سبقت الاندحار من جنوب لبنان .
أما آخر مؤشرات الارتباك فهو تصويت الليكود على رفض قيام الدولة الفلسطينية، الذي يحمل دلالات مهمة ومؤثرة، فهو من ناحية مؤشر على ارتباك حتى داخل الليكود نفسه، وعلى بداية ضعف موقف شارون وصعود نتنياهو في مواجهته، ومؤشر على أن نتنياهو يحاصر شارون في أية مفاوضات قادمة، وبما يفقده حتى لعبة المؤتمر الإقليمي التي هي المشروع السياسي الوحيد لديه ، كما يمكن القول أيضًا إنها مؤشر على شدة الانقسام داخل الكيان الصهيوني تحت ضغط الانتفاضة - مقارنة بشعارات مظاهرة الستين ألفًا - وهى كذلك مؤشر على احتمالات ضعف وتفكك التحالف الحاكم حاليا من جانب حزب العمل، الذي سيدفعه هذا التصويت إلى زاوية الطاولة سياسيا داخل التجمع الصهيوني .
لكن الارتباك يبدو أشد فيما يتعلق بالموقف العربي والدولي من الخطة السياسية لشارون - خطة عقد مؤتمر إقليمي - والتي أرادها مكملة لعدوانه العسكري .
لقد أراد شارون الإسراع بعقد مؤتمره السياسي الإقليمي؛ بهدف جني نتائج سياسية لعدوانه .
ويبدو أن شارون قد بنى نجاح خطته على أساس أن الولايات المتحدة التي دعمت خطته العسكرية بلا حدود، ووفرت لها الغطاء السياسي الدولي ستدعم خطته السياسية بنفس الطريقة ، وأن تهديداته بالعدوان على دول الجوار قد أرهبتها حتى أصبحت جاهزة لتنفيذ توجيهاته أو طلباته ، فإذا به يواجه بموقف أمريكي يطرح آلية دولية تختلف عن خطة شارون الذي أراد مؤتمرًا إقليميًا يملي فيه شروطه، وإذا به يواجه بموقف عربي يقدم رؤية لمؤتمر مختلف كليًا عن مؤتمر شارون ، فإذا أضفنا البعد الداخلي في الليكود بعد التصويت برفض قيام دولة فلسطينية فالأرجح أنه لن يجد أمامه سوى أن يسقط فكرة المؤتمر التي طرحها ويقف مجاهرًا برفض التسوية أو أن يرحل .
لقد طالب شارون بعقد مؤتمر إقليمي على مقاس إسرائيل، أو بالدقة مؤتمر لا يتعدى إحضار الدول العربية التي يحددها هو لتفعل ما يريد هو، فطرحت الولايات المتحدة آلية دولية - أيًا كانت تسميتها أو صلاحياتها - فمجرد الإشارة إلى مشاركة دولية أمر يرعب الحاكم في إسرائيل، وطرح العرب في شرم الشيخ عقد مؤتمر دولي يرتكز إلى الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة عام 67 .. كتطوير للمبادرة العربية (السعودية) في قمة لبنان وهكذا وجد شارون نفسه في مأزق ستتصاعد حدته داخليًا وخارجيًا في الفترة القصيرة المقبلة .
"لعبة شارون"
هو جزء من الخطة العسكرية في اجتياح المدن الفلسطينية، أو هو إكمال لضرب البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وحصار عرفات بعزلها عربيًا ودوليًا، وبالأدق هو جزء من خطة شارون لضرب المقاومة الجهادية الفلسطينية (حماس والجهاد وشهداء الأقصى) . لقد قامت خطة شارون السياسية على الإسراع بتحقيق نتائج سياسية للعدوان العسكري .
هذه النتائج هي -بالتحديد- إنهاء تمثيل الشعب الفلسطيني في أية مفاوضات وحشد عدد من الدول العربية في مواجهة مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني المسلحة تحت شعار محاربة الإرهاب ، والعودة بالمنطقة إلى ما قبل أوسلو ومدريد من زاوية عدم الاعتراف بوجود ممثل للشعب الفلسطيني .