محمد بن شاكر الشريف
الحياة في جانبها الحركي مجموعة من الأحداث التي تصدر لتحقيق غايات أو استجابة لمؤثرات، والحدث لا بد له من ظرف أو وعاء يحدث فيه من الزمان والمكان، والحدث الإرادي من صفات الأحياء، ولا ينفك ذلك عنه، فإذا انقطع منه الحدث كان ذلك دليل موته، أو ضعف حيويته ضعفا شديدا، والأحداث إنما يصنعها فاعلها لتحقيق مصالح أو أغراض وأهداف، لكنه لا يملك النتيجة، فقد تأتي النتيجة موافقة للغرض الذي من أجله صنع الحدث، وقد تأتي مخالفة مخالفة تامة ، أو تحقق شيئا وتعجز عن شيء، وقد تحقق شيئا من الغرض وتحقق معه شيئا آخر معاكسا، وهذا لا شك أنه من الأقدار التي يقدرها الله بحكمته وعلمه، فكل شيء مخلوق بقدر"إنا كل شيء خلقناه بقدر"لكن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة تمضي وفق نظام، وهو السنن والأسباب التي قدرها لحصول المسببات، فمن اتبع السنن وأخذ بالأسباب أوشك أن يحقق مطلبه إلا أن يشاء الله تعالى شيئا غير ذلك، وهو الحكيم الخبير، وعلى هذا فليس هناك في ميزان الشارع تعارض بين الإيمان بالقدر وبين إتباع الشريعة والأخذ بالأسباب؛ فإن القدر والأسباب يسيران في اتجاه واحد ولا يتعاكسان، ومن هنا فإن ترك الأخذ بالأسباب الموصلة لمسبباتها -إذا كان تحصيلها مطلوبا- تقصير يلام عليه الإنسان، وذنب يحاسب عليه بحسبه، والأحداث قد يصنعها المرء بنفسه ليحقق بها هدفه، وقد يصنعها عن طريق معاونين له في ذلك، وهذه صناعة مباشرة للأحداث، ولكن هناك صناعة غير مباشرة وهي التدخل في أحداث الآخرين؛ لتأتي محققة لأهداف المتدخل فيها، فإذا أمكن أن نجعل الآخر وهو يصنع حدثه بإرادته ليحقق مصلحته، بحيث يكون ذلك محققا لأغراضنا، فإن ذلك يعد نجاحا عظيما، إذ يتمكن الإنسان بذلك أن يجعل الآخرين - حتى وإن كانوا مخالفين أو معادين- ساعين أو مساهمين في تحقيق أغراضه، بإرادتهم وفق قناعاتهم الخاصة بهم لتحقيق مصالحهم التي يرونها، لكن السؤال الذي نحاول في هذا المقال أن نجيب عليه: هو كيف يمكننا أن نحقق ذلك ؟
ومعنى هذا أنه ينبغي لنا أن نبحث عن إجابة للسؤال الذي يقول ما التقنيات أو الأساليب التي يمكن من خلال اتباعنا لها أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين ؟
وللإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نستعرض بعضا من صور صناعة الحدث أو التدخل في صناعته عند الآخرين، في القديم وفي الحديث ثم نستخلص من تلك الصور الجواب المطلوب:
• قصة ملكة سبأ
فيما قصه الله علينا في قصة ملكة سبأ، فقد أبلغ الهدهد سليمان عليه السلام بخبر تلك المرأة التي تعبد هي وقومها الشمس من دون الله تعالى، كان الحدث الذي يريده سليمان عليه السلام هو هداية تلك المرأة وقومها، وعبادة الله وحده لا شريك له، فماذا فعل عليه السلام:
1-أرسل لها خطابا يقول فيه"ألا تعلو علي وأتوني مسلمين"وهذا أمر جازم يصدر إلى ملكة مما يشعرها بمكانة مرسل الخطاب وقوته؛ إذ لا يجرؤ أن يكلم الملكة بهذه الطريقة إلا من كان أقوى منها وأعز جانبا.
2-رفض قبول الهدية التي أرسلتها لتختبره، أو في مقابل تركها وما تعبد من دون الله، مما يدل على أنه رجل صاحب رسالة وليس طالب دنيا، وقال للرسول حامل هدية الملكة"أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ {27/36} ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ"ويبدو أن الملكة بعد وصول هذا التهديد الشديد لها استشعرت خطورة القضية فقررت الذهاب إليه لتستطلع الأمر بنفسها.
3-أمر سليمان أحد جنوده أن يأتي له بعرشها قبل أن يصلوا إليه، وأمر بتنكير العرش أي تغيير وضعه وترتيبه، ثم جاءت فوجدت العرش قد سبقها وقيل لها"أهكذا عرشك"أملا أن تدرك أن هذا عرشها رغم هذه التبديلات، فتعلم أن سليمان لم يكن لديه القدرة على إحضاره إلا بعون من الله، فيحملها ذلك على الإيمان ، لكنها مع ذلك لم تهتد
4-قيل لها"ادخلي الصرح"فلما رأت الصرح حسبته لجة وكشفت عن ساقيها؛ لتصون ثيابها من الماء، ولم تكتشف حقيقته، فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، وإنه لا خوف عليها من الماء، عند ذلك أدركت المرأة أن سليمان نبي من عند الله تعالى، وأن ما يدعو إليه هو الحق، فآمنت به واعترفت بأنها كانت ظالمة لنفسها وقالت"رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العامين"ومن ذلك نجد أن سليمان عليه السلام لكي يصنع مع الملكة حدث الإيمان أتبع عدة أساليب:
1-الأمر الجازم الجاد الذي يشعر الخصم بقوة خصمه وهيبته وثقته في نفسه وفي إمكاناته.
2-عدم المساومة على المبدأ ورفض قبول الهدية التي تكون في مثل هذه المواقف رشوة مقنعة.
3-تخويفهم بالقوة الشديدة التي لديه، وبتبدل حال النعيم التي هم فيها، وخروجهم عن الأوطان والديار أذلة صاغرين