فهرس الكتاب

الصفحة 3684 من 27364

الاختراق بعد إسقاط عناصر المقاومة الحضارية

لم تعد الثقافة اليوم كما كانت في الماضي خاضعة لوسائل تقليدية في النشر والانتشار وإنما اضحت متأثرة الى حد بعيد بالتكنولوجيا عامة والتكنولوجيا الاتصالية خاصة، هذه التكنولوجيا التي استطاعت القيام بالاختراق الثقافي، اي ان السيطرة اصبحت للتكنولوجيا، التكنولوجيا تحمل الثقافة، الثقافة محمولة عبر التكنولوجيا اذ بامكان التكنولوجيا بث الثقافة التي تريد.

ومن هنا جاء مصطلح «العولمة الثقافية» اي قدرة الثقافات الأقوى تكنولوجياً على السيطرة على الثقافات الأضعف تكنولوجياً اذ ان التكنولوجيا بدأت تلعب دوراً تأثيرياً بارزاً ليس على نطاق محلي فحسب وانما على نطاق عالمي. والعولمة الثقافية بصورة اوضح هي محاولة مجتمع تعميم نموذجه الثقافي على المجتمعات الاخرى من خلال التأثير على المفاهيم الحضارية والقيم الثقافية والأنماط السلوكية لأفراد هذه المجتمعات بوسائل سياسية واقتصادية وثقافية وتقنية متعددة.

وتهدف «العولمة الثقافية» الى زرع القيم والافكار النفسية والفكرية والثقافية للقوى المسيطرة في وعي الآخرين وعلى الأخص ابناء المجتمعات الغربية وفتح هذه المجتمعات «اختراقها ثقافياً» واسقاط عناصر الممانعة والمقاومة والتحصين لديها وبالمعنى الثقافي الحضاري اعادة صياغة قيم وعادات جديدة تؤسس لهوية ثقافية وحضارية اخرى لهذه المجتمعات مهددة لهويتها الحضارية بشكل جدي باتجاه فرض نمط ثقافي .

وهيمنة ثقافية معينة تنتجها مصالح الاقوياء وسيلتها الاساسية اداة اعلامية جبارة اصبحت قادرة على اعادة صياغة الاخلاق والقيم حتى العادات، واذا كان عالم النفس الاميركي الشهير «بوروس سكنر» قد اشار قبل عقود في كتابه الشهير «تكنولوجيا السلوك الانساني» في معرض نظريته التربوية الى امكانية ضبط سلوك الانسان الفرد «التعلم» بنفس الطريقة التي يمكن بها ضبط سلوك حيوانات السيرك مركزاً على دور الاسلوب المشوق والجذاب في ذلك الضبط الامر الذي اعتبر في حينه صدمة للكرامة .

والآن فإن العولمة الثقافية وعبر وسائل الاعلام وشبكات المعلومات كالانترنت وسواها اصبحت تمارس نوعاً من التحكم والضبط لسلوك الافراد والمجتمعات وبطريقة قسرية رغم بعض اشكالها الجذابة ولهذا لم يعد مستغرباً ان تمتلك بعض المحطات التلفزيونية الفضائية موارد تفوق ميزانيات بعض الدول النامية، او ان تصل ميزانية فيلم سينمائي الى مئات الملايين من الدولارات.

ان مراكز المعلومات وتكنولوجيا الاتصال هي التي تمتلك اليوم مفاتيح الثقافة، ولذلك نجحت الدول الغربية في نشر ثقافتها عبر المحيطات والقارات والترويج لأفكارها وقيمها الثقافية والاخلاقية والاجتماعية والسياسية على حساب اكتساح الثقافات الوطنية.

ويعتبر اكتساح الثقافات الوطنية نقطة رئيسية من ثلاث نقاط لتبيان آثار العولمة الثقافية حددها المفكر الدكتور برهان غليون في ندوة عقدت في القاهرة بعنوان «مستقبل الثقافة العربية» اذ قال بأن العولمة الثقافية تقوم بتعميم أزمة الهوية حيث يتضاءل مع تزايد الثقافات الاقوى في فضاء مفتوح وزن الثقافات الوطنية ونفوذها.

وفي هذا الصدد تجدر الاشارة الى تحذير المؤرخ الثقافي جورج ستينر من ان هذه الحضارة سوف تفرز تماثلاً كاسحاً يهدد الثقافات المحلية، ويعود مصدر معظم هذا التماثل الى صناعات الاعلان والترفيه والسينما فالأفلام والبرامج التلفزيونية الاميركية تباع على نطاق واسع في كل انحاء العالم، وتبلغ الآن جملة هذه المبيعات اكثر من 5 مليارات دولار سنوياً.

ولقد وصفت احدى الصحف الهندية وسائل الاعلام هذه بأنها «النمل الأبيض تقوض قيمنا وعاداتنا» والعولمة الثقافية لا تهدد البلدان النامية والصغيرة وانما تهدد ـ أيضاً ـ دولاً كبرى وهذه الدول تشعر بالخوف والقلق من انتشار الثقافة الاميركية في المجتمع الفرنسي لقد تساءل الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران قائلاً «هل تحقق قوانين المال والتكنولوجيا ما أخفقت الأنظمة الشمولية من تحقيقه؟» .

ومعروف ان فرنسا قد تنازعت مع الولايات المتحدة الاميركية في موضوع «الجات» حول «الاستثناء الثقافي» لدرجة ان احد الاوروبيين تحفظ على النجاح الذي احرزه فيلم «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سيبلرج لدرجة وصفه هذه الظاهرة بأنها «امبريالية ثقافية اميركية» .

ان نسبة 60% من واردات صناديق التذاكر في دور السينما الفرنسية مصدرها أفلام اميركية معروضة، ولولا ان السلطات الفرنسية فرضت قانوناً تلزم بموجبه قنوات التلفزيون الفرنسي ان تعرض ما نسبته 60% من البرامج ذات المنشأ الاوروبي فإن من المؤكد ان البرامج الأميركية كانت ستسيطر على الشاشة الصغيرة سيطرة كاملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت