فهرس الكتاب

الصفحة 3685 من 27364

وفي هذا السياق تجاوز الامر فرنسا الى البرلمان الاوروبي في حربه لمصطلح «العولمة» بمفهومها الاميركي اذ فرض البرلمان قيوداً شديدة على الافلام الاميركية التي تعرضها التلفزيونات الاوروبية وابدى البرلمان الاوروبي استغرابه من موقف بعض الدول الاوروبية التي ابدت ترددها في وضع قيود جبرية على الأفلام الأميركية خشية ان تشن الولايات المتحدة حرباً تجارية ضدها.

ويتزعم الحملة ضد أمركة الثقافة في اوروبا في البرلمان الاوروبي النائبة الايطالية «لوتشيانا كاستيلنا» التي تستند في شرعية حملتها الى احصاءات تقول: «ان من بين كل عشرة أفلام تعرض في قاعات السينما الاوروبية هناك ثمانية افلام اميركية بينما يعرض التلفزيون الاوروبي ستة أفلام اميركية من بين كل عشرة افلام» الامر الذي حقق للولايات المتحدة فائضاً تجارياً مع اوروبا بلغ (4) مليارات دولار في قطاع الترفيه.

اذا كان الاعلام الفرنسي يجد مسوغات كثيرة للخوف على الهوية الفرنسية من الهيمنة الانجلوسكسونية فإن العالم العربي لديه من المسوغات ما يفوق ذلك بكثير في ظروف التهديد الحضاري الشامل الذي يعيشه، وهنا لابد من التأكيد على ان رفض العالم العربي للغزو الغربي لا يعني الدعوة للانغلاق والتقوقع في اطر ضيقة ومحدودة في مواجهة ثقافة العصر.

وهنا يمكن ان يحصل تفاعل ثقافي بين الثقافات الانسانية في العالم، ويعتبر ضرورة موضوعية للاستجابة لتطورات المرحلة الراهنة عالمياً وذلك لاستمرار تقدم المجتمعات العربية ولتسليح الشعوب العربية بقيم ورؤى وافكار تمكنها من الابداع والمشاركة في صناعة ثقافة عالمية بشرط الا يطمس هذا التفاعل الخصوصية الثقافية والهوية الثقافية المتميزة للعالم العربي التي هي في الحقيقة محصلة لتطور تاريخي.

مما سبق نصل الى نتيجة مؤداها ان العالم العربي امام معادلة صعبة شائكة يتطلب حلها المحافظة على العناصر الايجابية في الثقافة العربية بما يدعم خصوصيتها وتعبيرها عن خبراتها التاريخية والانفتاح في الوقت نفسه على الثقافة العالمية بمكوناتها المختلفة ليس فقط في الغرب بل وفي الشرق أيضاً اذ هناك بالاضافة الى اوروبا توجد اليابان والصين وغيرهما.

ولكل منهما ثقافتها الوطنية المتميزة الحافلة بالكثير من القيم والمبادئ والافكار وفي الختام يمكن القول بأن عصرنا الحالي سيفرز العديد من الظواهر والمفاهيم والمصطلحات بالاستناد الى ردود الافعال او مواكبة الموجة الفكرية السائدة دون القيام بما هو ضروري للتقدم والتمعن في الآن نفسه للتفاعل الواعي والتلاؤم المحصن مع ما يستجد على الساحة العالمية.

ان الوضع الحالي تكنولوجياً وايديولوجياً يتطلب من شعوب العالم العربي كغيره من شعوب العالم السعي لامتلاك ناحية التقدم العلمي ومواكبة تطورات ومتغيرات العالم بشكل عملي منظم وعدم تضييع الوقت والجهد والورق في سجالات ونقاشات حامية الوطيس حتى لا يمر وقت كبير ليأتي مفكرون ليجدوا عقم السجالات الماضية ولا جدواها والندم لعدم اتخاذ خطوات عملية حاسمة في هذه اللحظة التاريخية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت