فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 27364

جوزف سماحة

السفير / فكرتان طرحهما رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير في الأسابيع الماضية عند حديثه عن الشرق الأوسط.

الأولى، هي أن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي هو الأكثر إلحاحًا في العالم اليوم. ولذا فإنه ينوي جعله الأولوية المطلقة في ولايته الثانية وسيحاول أن يقنع جورج بوش بفعل الشيء نفسه في ولايته الثانية. ولقد أشيع جو في بريطانيا عشية زيارة بلير إلى واشنطن أن الرجل سيستخدم ثقله من أجل أن يقنع حليفه الأطلسي بوجهة نظره. لا يبدو أن الزيارة حققت هدفها تمامًا.

الثانية، هي أن نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي أمر مستحب، وأنه يصلح لأن يكون واحدًا من أهداف السياسات الغربية. قال بلير ما تقدم في معرض نفي التهمة عن نفسه من أن يكون واحدًا من الأميركيين. أوضح أنه يرى في نشر الديمقراطية .

يمكن الإطلالة، من هاتين الفكرتين، على المواقف التي يطوّرها في الولايات المتحدة. ومع أخذ التنويعات بالاعتبار يمكن اختصار هذه المواقف كما يلي:

أولًا: إن المهمة الأكثر إلحاحًا في العالم، اليوم، هي إثبات أن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي هامشي جدًا.

ثانيًا: تأسيسًا على هذه الهامشية لا لزوم لأي تدخل. وبما أن غياب ياسر عرفات يقدم وكأنه فتح نافذة فإن المطلوب إقفالها بسرعة. لم يكن عرفات في ذاته المشكلة. المشكلة هي في المطالب الفلسطينية، حتى في حدها الأدنى، التي تهدد أمن الديمقراطية الوحيدة والحليفة في الشرق الأوسط. وحتى لو لم تكن تهددها فإن الاهتمام بها يصرف النظر عمّا هو أكثر أهمية.

ثالثًا: إن عدم التدخل، وهذا يجب أن يكون واضحًا، هو، في العمق، دعوة إلى دعم ما يقوم به أرييل شارون. غير أن أي دعم للحاكم الإسرائيلي لا يتوجب عليه أن يصل إلى حدود استفزاز المستوطنين ومتطرفي المعسكر القومي الديني. إن التحالف بين أقصى اليمين الأميركي وأقصى اليمين الإسرائيلي يستحق الحماية، حتى لو كان أقصى اليمين الأميركي ذا شبهة (أو ماض) لا سامية. إن أفق العلاقة بين الطرفين مفتوح.

رابعًا: إذا كان النزاع العربي الإسرائيلي هامشيًا فإن مشكلة العالم العربي هي التعثر والفشل والقمع وما ينجم عن ذلك من إيديولوجية إسلامية فاشية. لا حل لذلك إلا باستخدام الوسائل كلها، بما في ذلك العسكرية، لنشر الديمقراطية وفرضها وحمايتها. ويمر ذلك بمكافحة الإرهاب وأشكال المقاومة، وإخضاع الدول المارقة، وهزيمة إيديولوجيات الممانعة، والتصدي لانتشار أسلحة الدمار.

خامسًا: كل تقديم للحلول الإقليمية على المهمات آنفة الذكر قد يعني إنشاء دولة فلسطينية إرهابية، كما يساوي تشجيع العرب والمسلمين على الإرهاب الذي يمكن أن يكافأ.

ليس أسهل من عقد مقارنات كثيرة. ففي أميركا، اليوم، وكقاعدة عامة، ينبع التأييد الأعمى لأقصى اليمين الإسرائيلي من البيئة نفسها التي ينبع منها الديمقراطي. هذا سر شائع لا تفسير له إلا أن المقصود ب استعادة لشعار الذي استخدم في تبرير الحملات الكولونيالية. نعم ثمة مفارقة. غير أن التجربة تعلّم أن القصد من رفع لواء صرف الأنظار عن مشاكل أخرى، وتوفير ذريعة من أجل إعادة هيكلة الوضع العربي في اتجاه

حسم موازين القوى وإنتاج أنظمة الطاعة الكاملة للمركز الإمبراطوري.

إن تمرينًا بسيطًا يؤكد ما سبق. فلو أخذنا أسماء الكتّاب، والبحاثة، والمفكرين، والمؤسسات، والوسائل الإعلامية، ومراكز الأبحاث، لو أخذنا هذه الأسماء كلها سنصادف هذه الحقيقة القائلة بأن الأكثر في الموقف من إسرائيل هو الأكثر في الموقف من العرب. يسمون هذه الظاهرة ، أو ، أو ، لكنها مسميات تصب كلها في مجرى واحد.

أليس غريبًا أن كل من هو أقل من هؤلاء حماسًا ل هو نفسه أقرب إلى سياسة بلير القائلة، عمليًا، بأن درجة التدخل لفرض الحريات يجب أن تكون متوازية مع درجة التدخل لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ولو أنها غير متوازنة تمامًا مع درجة التوازن في هذا التدخل.

إن هذه هي واحدة من مشكلات . تريد لنا أن نصدق السلعة الأميركية الزائفة المصدّرة إلينا وأن نتجاهل الحقيقة الأميركية الناصعة: الوطنية. فواشنطن إنما تبرّر نشر الديمقراطية بالمصلحة الوطنية الأميركية. نشر الديمقراطية أكذوبة. الوطنية الأميركية جديرة بأن تعلمنا دروسًا كثيرة.

الليبراليون العرب يتجاهلون هذه الحقيقة. يصرون على قراءة منحرفة لها، وعلى انتقائية مبتذلة. يتهرّبون من الجواب عن السؤال المركزي: ما عنصر الجمع بين التأييد الأعمى للتوسعية الإسرائيلية وبين الحرص الأعمى على الديمقراطية العربية؟ ما السبب في هذه الرغبة العارمة بتعميم على حساب أو ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت