الإسلام اليوم -القاهرة 26/5/1423
-يدّعون النقص في الشريعة ، والله لم يتعبدنا بشريعة ناقصة .
-يحتجون باجتهادات عمر الفاروق على جواز إقاف الحاكم لبعض النصوص التشريعية .
-الربط بين الحجاب والتخلف خدعة علمانية مكشوفة .
-ادعاء القسوة في الحدود الشرعية جهل بالحكمة من تغليظ العقوبة
كثيرة هي الشبهات والاعتراضات التي يوجهها العلمانيون في العالم الإسلامي ضد المطالب الشعبية المتنامية لتطبيق الشريعة الإسلامية ، بعد أن أُثبتت القوانين الوضعية التي تسللت إلى ديار المسلمين إبان عصر الاستعمار الأوروبي لكثير من البلدان العربية والإسلامية ، وقد حمل هذا الاستعمار عصاه ورحل بعد جهاد شاق وتضحيات كبيرة من الشعوب العربية والإسلامية ، ولكن ظل هذا الاستقلال ناقصاً ومبتوراً ؛ لأننا لم نتحرر من تلك القوانين الغربية التي تمثل استعمارا أوربيا قانونيا حتى الآن .
الدكتور فريد على جلبط المدرس بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر يتناول - في بحث أعده حديثاً - شبهات المعارضين لتطبيق الشريعة الإسلامية ، ويقوم بالرد عليها شبهة تلو أخرى ؛ لإثبات أن المجتمعات الإسلامية هي أحوج ما تكون لتطبيق الشريعة حتى يكتمل استقلالها وتستعيد هويتها الإسلامية ، وتتخلص من بقايا الاستعمار القانوني الأوربي ، الذي لم تجن منه تلك المجتمعات سوى المزيد من المظالم الاجتماعية والمشكلات الخُلقية ، التي كرستها قوانين هي من صنع البشر وقد عجزت عن تحقيق العدل والأمان في بلادها .. فكيف نستمر في تطبيقها في بلادنا ؟؟
"عصر الجمل ..وعصر الفضاء"
الشبهة الأولى تقول:
إن شريعة عصر الجمل لا تصلح لعصر الفضاء ، وأن الشريعة الملزمة غير قادرة على الوفاء بحاجات الناس ، وأنها لم تشمل جميع جوانب الحياة ويضربون على ذلك مثلا بقانون المرور والبحار .. الخ . وللرد على هذه الشبهة ، يقول الدكتور جلبط:
إن هذه الشريعة صادرة من الله العليم الخبير ، وقد شهد سبحانه وتعالى لها بالصلاحية والخلود والشمول ؛ وذلك بحفظ مصادرها الأساسية وهي القرآن قال تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . وهذا الحفظ يتضمن السنة النبوية أيضا وكذلك حفظ الشارع الإجماع فقال صلى الله عليه وسلم { لا تجتمع أمتي على ضلالة } .
وقال تعالى مبيناً شمولها: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } .
وهذه الشريعة خاتمة وعالمية ولا يعقل شرعاً أن يتعبدنا الله تعالى بشريعة ناقصة ، ولذلك قال تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث: { وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة } .
وقد أودع الله في هذه الشريعة خصائص وميزات تجعلها قادرة على الوفاء بحاجات الناس في كل عصر ؛ إذ أن الشرع تناول بالتفصيل جانب العبادات ، أما الجوانب الأخرى فهي المعاملات ، فقد وضع لها أصولا عامة وترك تفصيلاتها لعلماء الأمة في كل عصر ؛ لبيان حكم الله من خلال هذه القواعد ، وأبرز مثال على ذلك نظرية الشورى كأساس من أسس الحكم في الإسلام ، فقد ترك تطبيقها لظروف كل عصر دون أن يحدد لها شكلا معينا من أشكال الحكم .
والشريعة الإسلامية تتميز بالثبات في الأصول والغايات والمرونة في الوسائل والفروع ، فالمسائل الجديدة ينظمها ويبين حكمها أهل الحل والعقد طبقاً للقواعد العامة ، كقانون البحار ولوائح تنظيم المرور يمثل قاعدة رفع الحرج عن الناس وقاعدة لا ضرر ولا ضرار .. الخ .
"اجتهادات عمر بن الخطاب"
ويثير المعارضون لتطبيق الشريعة بعض الاجتهادات التي أقدم عليها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين أوقف سهم المؤلفة قلوبهم ، وأفتى في المواريث ، وإيقاف حد السرقة عام المجاعة ، ويريدون من اعترافهم الاستدلال على أنه يجوز للحاكم إيقاف بعض النصوص وفقا لما يرى فيه أنه مصلحة .
ويرد الدكتور جلبط على هذه الشبهة قائلا:
إن هناك حقيقة شرعية غفل عنها أصحاب هذه الدعوى ألا وهي أن الأصل في العبادات الالتزام بها دون البحث عن العلة فيها ، كما أن الأصل في المعاملات التعرف على علل الأحكام فيها ، وأن هذه الأحكام تدور مع عللها وجوداً أو عدماً ، كما أن هناك شروطا لابد من توفرها لإقامة الحد .
وطبقاً لهذه القواعد فإن إيقاف عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لسهم المؤلفة قلوبهم كان بسبب فهمه أن هذا السهم شُرع لعلة معينة في ظروف محددة ألا وهي علة"تأليف القلوب"في ظروف ضعف الدولة الإسلامية في بداية تكوينها ، ومن ثم كان الحكم هو مشروعية هذا التأليف سواء كان ذلك من أموال الغنيمة أو الفيء أو الزكاة
، أما وقد عز الله الإسلام وقويت الدولة واشتد سلطانها فلا حاجة إذا للتأليف ؛ لأن العلة غير موجودة وإذا انتفت العلة انتفى الحكم .