لقد جاءكم إعصار فيه غبار ، فما يؤمنكم أن يكون الإعصار القادم إعصارا فيه نار
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
ففي هذا الفصل الربيع بينما كان الناس في النهار والأجواء صافية والهواء معتدل والشمس ساطعة إذ أتت من الشمال ريح وإعصار كالجبال . في مشهد يهز القلوب لو كانت حية ويحرك المشاعر لو كانت صادقة ، وفي لحظات تغير وجه الحياة ، ظلمة أشد من ظلمة الليل إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها ، وريح ترك كل شيء وتدمر ما أمر الله أن يدمر ، وتوقفت الحياة ولزم الناس السيارات والبيوت ، وامتلأت المستشفيات بالمرضى والمتضررين . أهذا فصل الربيع ؟!!
كان حداء الشعراء .
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا *** من الحسن حتى أن يتبسما
هكذا كان حداء الشعراء حينما كان فصل الربيع يعني جمال الأجواء واعتدال الهواء حينما كانت الأرض تأخذ زخرفها وتتزين وتنبت من كل زوج بيهج حينما كانت الرياح تثير سحابا فيبسطه الله في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتى الودق يخرج من خلاله وذلك حينما كانت القلوب مخبتة والعيون من خشية الله دامعة والصدور سليمة والحياة مترعة بالإيمان والتقوى ...
بيوت الله معمورة بالمصلين وكتاب الله لا يفتقد التالين ، والناس إلى طاعة ربهم يتسابقون ومن الإيمان والتقوى تفتح البركات (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ) [الأعراف: 96]
أما فصل الربيع في أيامنا فعنوانه:
أتاك الربيع الحزن يرتاع باكيا** من القحط حتى كان أن يتجهما
فصل الربيع لم يعد ربيعا ، وإنما رياح وغبار وقحط في الأمطار وجدب في الديار
فصل الربيع أصبح سحابا متراكبا ، ينحسر عن ظلمة وإعصار يخلف دمارا وأضرارا في الأنفس والثمرات
هذه الرياح التي كانت بشير خير للناس تسوق السحاب وينزل من السماء ماء فيحيي به الله بلدة ميتا ويسقيه مما خلق أنعما وأناسي كثيرا هذه الريح التي تحمل الخير للعباد تصبح سوط عذاب على المتمردين والعصاة ذلك لأن الله عز وجل هو الذي يسيرها كيف يشاء ويسخرها لمن يشاء فهي للطائعين رحمة وخير وبركة وهي على الطغاة المتكبرين نقمة وشر وهلاك .
الرياح عقوبة سلطها الله على عاد الأولى الذين استكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد قوة ، والذين وصفوا الرسل والدعاة والمصلحين بالسفاهة والكذب كما يوصفون اليوم بالتطرف والإرهاب والجمود، وسلطها على عاد الثانية أمريكا ومن ينسى إعصار كاترينا
وهي عقاب أرسله الله يوم الأحزاب على قريش وأعوانها إذ أرسل الله عليهم ريحا وجنودا وكفى الله المؤمنين القتال
وهي عقوبة من الله تنتظر كل من يفعل فعالهم ويحاكي ضلالهم
وهي عقاب من الله لكل من يتعدى حدود الله وينتهك حرماته (( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) [البقرة: 229] .
لقد رأينا آية من آيات الله ، ودلالة على عظمت وقدرته وما يعلم جنود ربك إلا هو
لقد رأينا مشهدا يهز القلوب الواعية ، ويجري مدامع العيون الخاشعة فبأي حال عايشنا المشهد وبأي مشاعر مررنا أمام هذه الآية
إن المؤمن حقا هو من تحدث عنده هذه الآيات والعبر شعورا بتعظيم الخالق والخوف والحياء منه وإجلاله
المؤمن حقا هو من قال الله فيه (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ) [الأنفال: 2] .
هو من وصفه ابن الجوزي بقوله: همة المؤمن متعلقة بالآخرة فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة... و المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر وإن رأى مؤلما ذكر العقاب و إن سمع صوتا فظيعا ذكر نفخة الصور وإن رأى الناس نياما ذكر الموتى في القبور و إن رأى لذة ذكر الجنة فهمته متعلقة بما ثَم و ذلك يشغله عن كل مأثم.
فهل كانت مشاعرنا كذلك ونحن نرى شيئا من قدرة الباري جل جلاله أم أن على قلوب أقفالها لقد رأى الناس ظلمة لا يدرون ما وراءها ، أهو عارض ممطرهم، أم ريح فيها عذاب أليم ، فهل انشغلوا بالذكر والاستغفار والدعاء والبكاء، الواقع يقول: كلا ، إلا من رحم الله.
لم ينشغلوا بالتسبيح والتكبير وإنما اشغلوا بالتصوير وكأنما يصورون منظرا خلابا
وكهنة الفلك يصورون الأمر بالظاهر الطبيعية ودون ربطها بالقدرة الإلهية والسنة الكونية والشرعية
وفي غمرة الظلمة تسمع من سيارات بعض الشباب أصوات المعازف والغناء، والنساء في الأسواق على تبرجهن وسفورهم . تلك قلوب غطاها الران فأصبحت بلا بصيرة لا تحس بذنب ولا عقوبة
إن أهم أسباب عدم الإحساس بالذنب هو ألفة المنكر لكثرة اقترافه ، وقد قال الحسن الزيات ، والله لا أبالي بكثرة المنكرات والبدع وإنما أخاف من تأنيس القلب بها ؛ لأن الأشياء إذا توالت مباشرتا أنست بها القلوب ، وإذا أنست النفوس بشيء قل أن تتأثر به.