وأخطر من ألفة المنكر هو إلفة العقوبة حتى يصل إلى درجة عدم الإحساس بأن الحال الذي هو فيه عقوبة لذنب قد اقترفه وقد قال ابن الجوزي اعلم إن من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب ، فإن العقوبة تتأخر ، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها وأن تكون في سلب الدين وطمس القلوب وسوء الاختيار للنفس ، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض
لقد كان أسلافنا أصحاب قلوب يقظة تشعر بالذنب وسببه حتى يصل الإحساس بأحدهم أن يتذكر ذنبا منذ أربعين سنة ما زال يحس بأثره. قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل به علي الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس.
هكذا كانوا يحسون بالذنب ، بربطه بالبلاء الذي يصيبهم روى ابن الجوزي عن بعض السلف أن رجلا شتمه فوضع خده على الأرض وقال اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به علي
وحتى إذا لم يوفقوا لطاعة ربطوا ذلك بذنب ربما اقترفوه، دخلوا على كزر بن وبرة بيته فإذا هو يبكي فقيل له: ما يبكيك قال: إن بابي لمغلق وإن ستري لمسبل ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة وما هو إلا من ذنبي أذنبته .
دعك من أولئك الذين يصنفون هذه المصائب والآيات كظواهر طبيعية لا دخل لذنوب البشر فيها ، فالحق أن كل ما يصيب الإنسان على الأرض من مصائب وبلايا من وخزة الشوكة واختلاج العرق إلى الزلازل المدمرة والرياح العاتية هو بسبب ما نجترحه من سيئات، إذ تأتي كسنة من سنن الله في خلقه إلى يوم القيامة ، وعقاب فوري على ما نعامل به ربنا الذي أمرنا وأوجدنا ، وبسبب ما زرعته أيدينا من آثام إن هذه الكوارث والمحن جنود لله يعاقب بها من يشاء من عباده (( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) ) [المدّثر: 31] .
وهي عذاب الله الأصغر (( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) ) [السجدة: 21] .
ظلما للعباد ؟ لهوا ولعبا ؟ حاشا لله وتقدس بل (( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ) [السجدة: 21] .
إلى الله بالطاعة والإنابة.
فلماذا لا نوقن بأن تلك الآيات والنذر تخويف من الله لعباده لعلهم يرجعون (( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ) ) [الإسراء: 59] .
ولماذا نستبعد غضب الله وعذابه وقد عذب أمما من قبلنا بما كسب أيديهم، وسنن الله لا تتغير ولا تحابي أحدا لماذا نأمن من عذاب الله , والبلاء إذا نزل فإنه لا يقتصر على الفسقة والمجرمين (( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) [الأنفال: 25] .
وذلك لأنهم قصروا في واجب إنكار المنكر وتغييره ، وإذا رتع الناس في الحرام واستمرؤوا فعل المعصية ولم يوجد من ينكر عليهم ويوقظهم من غفلتهم وينتشلهم من المستنقع الآسن الذي سقطوا فيه فإن غضب الله يتنزل (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ )) [المائدة: 78-79] .
مالنا ألا يعذبنا الله وثوابتنا ومسلماتنا أصبحت حمى مستباحا يرتع فيه كل ساقط وساقطة وتكدره جرذان العلمنة وفئران التغريب
ومالنا ألا يعذبنا الله والمترفون في قريتنا فسقوا فيها بأفعالهم وأقوالهم وقراراتهم (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) [الإسراء: 16] .
ومالنا ألا يعذبنا الله ودعاة التغريب والفجور يدعون نساءنا إلى نار الانحلال والانحطاط وإلى جحيم التبرج والاختلاط عبر بوابة العمل وتحت شعار الحقوق المهضومة وكأن ربها ظالم لها حينما ناداها (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) ) [الأحزاب: 33]
ومالنا ألا يعذبنا الله ونساؤنا ينخدعن بالدعايات الكاذبة وينجرفن وراء الأبواق الخاسئة التي تتدثر بدثار الإصلاح وتلبس لبوس المصلحة والله يعلم إنهم لكاذبون ، وكلام ربنا أصدق (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) ) [النساء: 27] .
ومالنا ألا يعذبنا الله وقد هجرت المساجد فأكثر من ثلثي الناس لا يشهدون الفجر في المساجد ، وآخرون لا يركعون مع الراكعين
ومالنا ألا يعذبنا الله وقد استحل أناس الحرمات وخاضوا في المتشابهات وتساهلوا في التعامل بالربا (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) ) [البقرة: 278-279]