فهرس الكتاب

الصفحة 18264 من 27364

أحيانا تراودني الرغبة في البكاء مثل طفل صغير يتيم تاهت عنه أمه في الزحام. و أشعر في تلك اللحظات أننا جميعا أطفال لا فرق كبير يذكر بيننا و بين أطفالنا في علمنا و معارفنا و أخلاقنا.

يخيل إلينا أننا اخترقنا السماوات بعلومنا. و لو فكرنا قليلا لوجدنا أننا مازلنا في حروف أ . ب . ت . ث .. و أننا كأولادنا على عتبة واحدة من الحيرة و التساؤل و الجهل.

يقول لك طفلك و هو يشاورعلى القمر: من أين جاءوا بهذا القمر يا أبي؟

و تجاوب عليه بكلام كثير. و تتلو عليه نظريات و افتراضات خلاصتها أنه لا أحد يعرف الحقيقة. و لا حتى أينشتين نفسه.

و يسألك طفلك عن جده الذي مات أين ذهب منذ موته.

و عن اخيه الذي ولد أين كان قبل مولده.

فلا تعرف جوابا.

فلا أحد يعرف ماذا قبل الميلاد و لا ماذا بعد الموت. و لا من أين. و لا إلى أين.

و يشاور لك على الكهرباء و يقول ما هذا؟ فتقول الكهرباء.

و يسأل ما هي الكهرباء فلا تجد جوابا.

و يسأل من أين أتت الكهرباء.

فتحكي له حكاية طويلة عن ماكينات النور و وابور النور. و أنت لا تدري ما النور. و لو سألت علماء الطبيعة كلهم ما وجدت فيهم واحدا يستطيع أن يدلك على ماهية النور و كنهه، و لا حتى نيوتن، و لا أفوجادرو، و لا فاراداي.

و ما أجهلنا على الدوام.

ابتكرنا علم النفس و كتبنا فيه المراجع و نحن لا ندري ما هي النفس.

و اخترعنا الساعات لنقيس الزمن و نحن لا نعرف ما هو الزمن.

و سكنا الأرض منذ ملايين السنيين و مازلنا لا نعرف عنها إلا قشرتها.

و يجتمع شهود الحادثة الواحدة فيختلفون في روايتها و يحكيها كل واحد بصورة. و هذا شأن الحادثة التي لم تمر عليها ساعة فما بال التاريخ الذي مر عليه ألوف السنين و كتبت فيه المجلدات، و كلها تخييل.

و ما أبعدنا دائما عن الحقيقة.

و ما أقل ما نعلم.

و ما أقرب الفارق بيننا و بين أطفالنا في علمنا و معارفنا.

بل ما أقرب الفارق بيننا و بين أطفالنا في أخلاقنا - نحن الأوصياء و المربيين و كل منا يحتضن أملاكه كما يحتضن الطفل لعبته و لا يطيق أن تمسها يد منتفع.

و فينا البخيل و الشره، و الأكول و الطماع، و من يسيل لعابه على المليم.

و الطفل يخطف و الكبير يسرق.

و الطفل يضرب و الكبير يقتل.

و الطفل يمد يده بالإيذاء و الكبير يمد عصاه و سكينه.

و الطفل يرمي بحصاة و الكبير العظيم يرمي بقنبلة ذرية.

ألا يحق لي بعد ذلك أن أبكي على هذا العالم من العيال الذين ظنوا أنفسهم كبارا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت