الخطبة الأولى
الحمد لله علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعلى من شأن العلم ورفع منزلة العلماء فقال تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } وأشهد أن محمداً عبده ورسوله كان أول ما نزل عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ، وأوحى إليه ربه { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارضى اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين 0أوصيكم ونفسي - معاشر المسلمين - بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً 0
إخوة الإسلام:
حين يكون الحديث عن العلم والمعرفة والكتاب ومعارضه فلابد من توطئة تقول: نحن أمة العلم ومحضن العلماء، فمنذ أشرق نور الإسلام بـ (إقرأ) والمسلمون وفي مقدمتهم صلى الله عليه وسلم يقرأون لكن بإسم ربهم لا بإسم (يغوث، ويعوق، ونسراً) وغيرهم ممن أضلَّ كثيراً 0للقلم ظلُ في حضارتنا، فبه عُّلّم الإنسانُ ما لم يعلم، وبه أقسم الباري تعظيماً وتأكيداً {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } 0العلم زادُنا ومحل دعائنا { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } والعلماء الربانيون تيجان ورموز فوق هامتنا { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وحين يكون الحديث عن الثقافة فنحن من وعى الثقافة وحررها ونقاها ثم صدَّرها، في وقت كانت الثقافة نصوصا تحفظ أو ممارسات خاطئة تقسم الشعوب طبقاتً وتورثها بهذه الطبقيةٍ ظلماً وعدوانا وإرهاباً وإقصاءً 0لقد شعت أنوارُ حضارتنا فأضاءت الكون بنورها وتنفَّس المظلومون والمضطهدون الصُعداء على أفياء عدلها وأصالتها 0نحن أهلُ الثقافة لكنها الثقافةُ الأصيلة التي تحفظ للفرد كرامته، وللمجتمع أمانة، وللحاكم والمحكوم حقوقهما لم تكن ثقافتنا سلبيةً أو نصوصاً جامدة، بل حدت بنا إلى الإبتكار والتجديد والإنتاج والتحفيز، والطموح في كل ميدان 00 لكن {بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } 0كانت هذه الثقافة الإيمانية الأصيلة تفسر لنا كل شي في هذا الكون بصدق منطق، وإعتدال نطره وشمول في الرؤية، لا تناقض ولا حيرة، بل هداية ويقين {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } 0وسارت هذه الحضارة وانتشرت هذه الثقافة في كل مكان، ولا تزال مكتبات العالم كله تحتفظ بمخطوطات علمائنا وتشهد على إنجاز حضارتنا وما يزال العلماء إلى عصرنا يحققون في هذا التراث الضخم، ويساهم المسلم وغير المسلم في تحقيق هذا التراث، ويشترك غير المسلمين مع المسلمين في الإعجاب بهذا التراث الضخم 00ولئن لم يسلم هذا التراث الإسلامي من الاعتداء والغزو، والتحريف والتشكيك فتلك سنه من سنن الله في التدافع والصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الإسلام وملل الكفر 00ولكن الداء العضال حين يتطاول على هذا التراث الأصيل من أبناء الإسلام، مدعياً التجديد فيه، أو راكباً قطار الآخرين، أو متدثراً بحرية النقد، وهم إنما يرومون التشكيك في الأصول والتطاول على الثوابت، ونشر الفكر المنحل، وترويج الثقافة العفنة 00 ومن هنا صدرت كتبٌ في الإلحاد والزندقة وكُتبت رواياتً في الجنس تدعو لإشاعة الفاحشة في الذين ءامنوا وأُلفت كتبٌ في الأدب تعتمد الحداثة الغربية، وتحطم الأطر وتتفلت من كل قيد 00 حتى حُشيت بسب الدين والسخرية من القيم، بل تطاولت على رب العالمين تعالى وتقدس 0وألُفت كتب أخرى في التاريخ تطعن بخير القرون، وتقرأ التاريخ قراءة مادية نفعيه، وتسلط الضوء أكثر على السقطات، وتهمل الشامخات، وتدعي تحرير التاريخ أو إنقاذ التاريخ 00 وهي تطعن فيه بالصميم !!وهكذا الأمر في علم الاجتماع أو التربية 00 أو نحوها من العلوم الإنسانية التي شوهها أدعياء الإصلاح، ومن يسمون أحياناً بالنخب المثقفة 00 وللحق والعدل فثمة كتابات ومؤلفات في هذه الفنون تعتبر أنموذجاً للمنهج العلمي الرصين، وللعزة بالإسلام وأهله 0
إخوة الإسلام: