عقول محتلة...أم ولاءات مختلة؟
د.عبد العزيز كامل
ربما لم يأخذ الفكر الليبرالي حظه من الدراسات التحذيرية في حقول الدراسات الإسلامية خلال عقود طويلة مضت، كما حدث مع الفكر الشيوعي أو القومي أو البعثي، ولعل ذلك يعود إلى أن الليبرالية كثيرًا ما تسترت وراء ديكور الديمقراطية، وتنكرت أحيانًا أخرى بأقنعة الحرية الفكرية، والسعادة الفردية، وقِيَم التحضر والتمدين والتحديث، في أوقات كان معظم العالم العربي والإسلامي يئن تحت وطأة نظم شمولية بأفكار قمعية تاقت الشعوب معها إلى معاني الحرية والانطلاق. وقد انهمك المثقفون والمفكرون في مناهضة الفكر الإلحادي، شرقيًا كان أو غربيًا، ظانين أن الفكر الليبرالي متحرر من الأيديولوجيات والثوابت أيًا كانت.
ولما انهار جدار الشيوعية، فرح بذلك العالم (الحر) في أمريكا والغرب، ودق طبول النصر لعصر جديد، تتسيد فيه القيم الغربية الليبرالية بلا منافس أو منازع، ليشترك العالم بالترغيب أو الترهيب في رفع رايات انتصار خادع، على جثة نِدٍ حضاري مزيف، هو الاتحاد السوفييتي السابق، ورفع أحد فلاسفة أمريكا المعاصرين «فرنسيس فوكوياما» عقيرته بانتصار الليبرالية في المعركة الحضارية الإنسانية، ليسدل الزمان أستاره على المشهد الأخير والمثير من مسرحية «نهاية التاريخ» !
وبدأ الأمريكيون بعدها يتحركون بهستيريا لإخضاع (العبيد) أو (الهنود) للدخول قسرًا في سجن الحرية الليبرالية، وأصبحنا أمام (جوانتنامو) ثقافية واقتصادية وسياسية وأمنية اسمها (العولمة) ؛ حيث لا مجال للحديث معها عن ديمقراطية الأغلبية، ولا الذاتية الشخصية أو الخصوصية الثقافية، ولا حتى منطق المصلحة، وبخاصة إذا كانت مصلحة (الآخر) .
ويؤسفنا بعد كل هذا أن نجد من بني جلدتنا من يجعل من نفسه منصة تنطلق منها صواريخ الدمار الفكري الشامل القادم من أمريكا، صوب أراضينا المكشوفة وسماواتنا المفتوحة، متعللين بحريتهم في الفكر والفعل.
إن القضية قبل أن تكون اعتناقًا لفكر، أو اقتناعًا بمبدأ؛ هي قضية إيمان وتسليم؛ فمن الحقائق المقررة في ديننا أن الله لم يترك مناهج إصلاح البشر للبشر بشكل مطلق، بل تولى ـ - سبحانه - ـ ذلك بنفسه، فأرسل لذلك الرسل وأنزل الكتب، ونادى الوحي في الناس جميعًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 174 - 176] . وإن الظن بأن البشر يمكنهم التفرد بتدبير شؤونهم بما يتفق مع غاية خلقهم، هو سوء ظن بالإله الخالق ـ - سبحانه - ـ وادعاء عليه بالعبثية وعدم الحكمة ـ جل ربنا عن ذلك ـ إذ كيف يخلق ويرزق، ثم يأذن للإنسان بأن يفسد باسم الإصلاح، أو يفجر باسم التحرر... ؟ {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 27 - 34] .
إن كل فكر إنساني لا يعبأ إلا بالحياة الدنية القصيرة، دون اكتراث بالنجاة في الحياة الآخرة الباقية؛ لهو فكر معاد للإنسانية، مهما ادَّعى أصحابه الحرص على سعادة الإنسان؛ لأن هذا الفكر في النهاية هو اتباعٌ للهوى الذي يهوي بالإنسان إلى دركات التيه والضياع.
والفكر الليبرالي (Lib r alisme) لم يبلوره مفكر واحد في عصر واحد، بل اشترك في وضع أصوله العديد من المفكرين في أزمنة وأمكنة مختلفة، حتى صارت له أسسٌ تشمل نواحي الحياة في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية، إلاّ أن هذا الشمول لا ينفي عن الليبرالية صفة القصور؛ لأنها اقتصرت في الجملة على تلبية الغرائز الدنيا في الإنسان، دون أدنى اعتبار للقيم العليا التي من أجلها كرّم الله بني آدم وحملهم في البر والبحر وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، بل هي فوق ذلك لا تعتمد إلا على أخس قدرات الإنسان على الفعل، وهي التمرد على إرادة الله عن طريق الكسب الاختياري الذي منحه إياه: {بَلْ يُرِيدُ الإنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 5 - 6] ، وهذا هو أحط أنواع العبودية لغير الله؛ حيث يجعل من نفسه إلهًا لنفسه.