لقد نشأ الفكر الليبرالي في بيئة غير بيئتنا، وتأصل على غير شريعتنا وأخلاقياتنا، وطُبق في غير مجتمعاتنا، واستهدف علاج آفات وإصلاح عيوب لم تعانِ منها أمتنا؛ فليس عندنا تسلط كنسي على عقول الناس، ولا احتكار كهنوتي للحقيقة، ولا خرافة طقوس تقوم على الخصومة المفتعلة بين الدين والعلم، ومع هذا، هَامَ به ـ على طريقة جُحر الضب ـ أقوام من المسلمين، وأرادوا أن يستوردوه ومعه العز والتقدم والشرف، فلم يجرُّوا بذلك على أمتهم إلا الذل والتأخر والانكسار، وصعب عليهم بعد ذلك ـ كما فعل الغراب حين أراد أن يقلد مشية الهُدْهُد ـ أن يعودوا لما كانوا عليه، فلا هم ظلوا مسلمين صلحاء أنقياء، ولا هم صاروا غربيين خلصاء بل: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ} [النساء: 143] .
نشأ الفكر الليبرالي عن فلسفة سياسية واقتصادية، أفرزت قناعات ثقافية وممارسات اجتماعية، حاولت بعد ذلك أن تتحول إلى منطلقات لحرية دينية، ونسبية اعتقادية، تؤول إلى (اللا دين) . والليبرالية، بكل تعريفاتها لكل أصنافها؛ تركز على جوهر واحد يتفق عليه جميع الليبراليين، وهو أنها: تعتبر الحرية هي المبدأ والمنتهى في حياة الإنسان، وهي وراء بواعثه وأهدافه، وهي المقدمة والنتيجة لأفعاله. فالحرية هي سيدة القيم عندهم دون أدنى حدود أو قيود، سواء كانت هذه الحدود هي (حدود الله) أو كانت تلك القيود لسبب سياسي أو اجتماعي، أو ثقافي، أما مبدأ عبودية الإنسان لخالقه كما جاءت به رسالات السماء جميعًا، فهي عند الليبراليين لون من تراث الماضي «المتخلف» .
بدأ الفكر الليبرالي في مرحلته المبكرة داعيًا إلى حق التمرد ضد الحكومات التي تقيد الحريات الشخصية، ولهذا أوحت الأفكار الليبرالية بالثورة الإنجليزية عام 1688م، والأمريكية عام 1775م، والفرنسية عام 1789م، وأدت هذه الثورات إلى قيام حكومات تعتمد على دساتير تقدس حق الإنسان في الحرية الشخصية بأوسع دوائرها، دون التزام تجاه شيء، إلا القوانين المصاغة أصلًا لحماية الحريات الشخصية.
صحيحٌ أن الحرية الإنسانية، بضوابطها الأخلاقية، قيمة عظيمة، يفقد الإنسان من حقوقه الآدمية بقدر ما يفقد منها، ولكن التحريف الذي لحق بدين الأوروبيين النصارى، في تقنين ألوان من العبودية، جعلتهم يثورون على تلك التطبيقات المنحرفة للأديان المحرفة، ولو كنا مكانهم تحت التسلط والاستبعاد، لثرنا مثلهم؛ لأن للحرية الإنسانية حدودًا لا يطيق الإنسان بوصفه إنسانًا أن يُحرم منها على الشكل الذي شرعته الكنيسة من دون الله. ولكن الفكر الليبرالي لم يقف عند حد علاج الخلل الناشئ بسبب فساد تصورات الكنيسة في الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع، بل جعل الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا هو الهوى، فهو المعبود الحقيقي في الملة الليبرالية.
الليبرالية... وتأليه الهوى:
يدرك من له أدنى إلمام بتصنيفات وتفريعات أصحاب الملل والنحل والأديان، أن الإنسان بمعزل عن هداية الوحي، عبد كل شيء من حجر وشجر وشمس وقمر، وقدَّس الكثيرَ من الحيوان والهوام، وأطاع كل طاغوت من إنسان وجان، إلا أن هناك عبادة أخرى لم تشتهر بين العبادات؛ لأن المعبود فيها غير مشخص ولا ثابت، والعبادة فيها بلا شعائر ولا طقوس، ألا وهي عبادة الذات وتقديس الهوى، وتلك العبادة تختلف عن غيرها، بأن العبودية فيها غير واضحة المعالم؛ فهي مجرد سير أعمى وأهوج في طرق مظلمة بحثًا عن سعادة مفقودة، وغاية غير موجودة.
وهذا الظلام الحالك، هو ما أشار إليه القرآن في قول الله ـ - تعالى -ـ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] ، ففي الآية تنديدٌ بمن يأتمر بأمر هواه؛ فما رآه حسنًا فعله، وما رآه قبيحًا تركه، وهذا هو جوهر التأليه؛ فكل ما يستلزم الطاعة بلا قيود فهو عبودية، والإله المعبود في الآية هو الهوى، من باب التشبيه البليغ أو الحقيقة، والطاعة هنا مستلزمة للمحبة والرغبة، فـ (هواه) بمعنى: مهويه ومرغوبه المطاع.
ولهذا فإن عِلْم عابد الهوى لا ينفعه إن كان عنده علم؛ لأن الله ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فلا هادي له ولا مرشد من بعد الله؛ لأنه أغلق على نفسه باب الهداية عندما عزل نفسه بنفسه عنها.
ولم نرَ في الأفكار والمناهج المنحرفة شيئًا ألصق بوصف عبادة الهوى وتقديس الذات مثل الليبرالية المعاصرة من حيث وضعها وتعريفها؛ فهي تعني طلاقة حرية الإنسان وانفلاتها من كل القيود، بحيث لا يكون هناك أي مانع أو رادع من فرد أو أسرة أو جماعة أو دولة أو فكر أو دين أو تقاليد، بل يتصرف المرء وفق ما تمليه النفس وتسوق إليه الرغبة على ألا يتعدى على حرية الآخرين. صحيح أن أرباب الليبرالية يختلفون فيها بقدر اختلاف أهوائهم، إلا أنهم يتفقون على شيء واحد، وهو وصف موسوعة (لالاند) الفلسفية لها بأنها: «الانفلات المطلق بالترفع فوق كل طبيعة» .