فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 27364

وقد عرَّفها المفكر اليهودي (هاليفي) بأنها: «الاستقلال عن العلل الخارجية، فتكون أجناسها: الحرية المادية والحرية المدنية أو السياسية، والحرية النفسية والحرية الميتافيزيقية (الدينية) » وعرفها الفيلسوف الوجودي (جان جاك روسو) بأنها: «الحرية الحقة في أن نطبق القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا» . وعرفها الفيلسوف (هوبز) بأنها «غياب العوائق الخارجية التي تحد من قدرة الإنسان على أن يفعل ما يشاء» .

وهكذا نرى أن تعريفات الليبرالية تُجمِع على أنها انكفاء على النفس مع انفتاح على الهوى؛ بحيث لا يكون الإنسان تابعًا إلا لنفسه، ولا أسيرًا إلا لهواه، وهو ما اختصره المفكر الفرنسي (لاشييه) في قوله: «الليبرالية هي الانفلات المطلق» .

ولهذا فإننا نعجب كل العجب ممن لديه أدنى معرفة بمعنى العبودية لله في الإسلام؛ كيف يجرؤ أن يقول: (الليبرالية الإسلامية) فيجمع بين متناقضين، وهل يمكن أن ينادي من أسلم بـ «انفلات مطلق» أو «تطبيق للقوانين التي اشترعها الإنسان بنفسه لنفسه» ؟! وهل هناك في الإسلام استقلال عن كل المؤثرات الخارجية في الاعتقاد والسياسة والنفس والمادة؟! كيف يمكن أن تنسب كل هذه القبائح للإسلام أو تصبغ به؟ إن الليبراليين الغربيين يحلو لهم كثيرًا أن يكسوا هذه الدمامة بأصباغ من الجمال المصطنع، فيفلسفوا اتِّباع الهوى بـ «تحكيم العقل» ويصفوا التمرد على القيم والثوابت بـ «الحرية المطلقة» أو «منع المنع» ، ويرددوا دائمًا بأنهم ضد الاستبداد السياسي الذي يمثله استبداد الدولة، والاستبداد الاجتماعي الذي تمثله القيم والأعراف، والاستبداد الديني الذي تمثله العقائد.

ولذلك نرى الليبراليين بكل أصنافهم ينفرون من كلمة (ثوابت) ويضيق عَطَنُهم من كلمة (عقيدة) ويفرون كأنهم حمرٌ مستنفرة فرت من قسورة إذا حدثتهم عن ثبات الأحكام، ودوام الحكمة والصلاحية فيها.

وبالنظر إلى أن طبيعة الهوى وسجية أهل الأهواء هي التقلب والتغير، فقد صاحَبَ الغموضُ مصطلحَ (الليبرالية) في مرحل تطورها، إلا في أمر واحد؛ وهو: تحقيق الرفاه والترف والذاتية الفردية إلى الحد الأقصى، وتحول هذا من الإطار الذاتي إلى الإطار الجمعي لدى المجتمعات التي تبنت الأفكار الليبرالية، والتي أسمت نفسها (العالم الحر) ، وأصبح هذا العالم (حرًا) في أن يحقق الحد الأقصى من الرفاة والمتاع، سيرًا وراء الهوى المتبع والشح المطاع للأفراد، كل ذلك على خلفية المصلحة، المرادفة في كل الأحوال للأنانية المفرطة.

ولهذا وجد الناس البَوْن شاسعًا بين شعارات الليبرالية في عالم المثال، وتطبيقاتها في عالم الواقع؛ فقد غاب العامل الإنساني، وحل محله العامل الطبقي أو العنصري، ولم يعد (الإنسان) هو قضية الليبرالية الأولى إلا بحسب لونه أو جنسه أو مستواه الاقتصادي. فالليبرالية السياسية (الديمقراطية) في الغرب تختلف عن ديمقراطيات البلدان التابعة أو المستعبَدة من الغرب، والليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية) في الغرب يجب أن توصِل عندهم إلى نتائج مسيطِرة، وعندنا إلى نتائج مسيطَر عليها. وأما بقية مفردات الليبرالية من ثقافية واجتماعية ودينية، فهي ينبغي أن تمثل عندهم نموذج القدوة والمثال، بينما تمثل لدى مقلديهم أنماط التبعية والذوبان إلى حد الابتذال.

أما الليبرالية الفكرية الثقافية والدينية فهي الأخطر، وتعني عندهم المزيد من هجر الخصوصيات والثوابت عند الأمم، في حين يفيئون هم إلى ما يعدُّونه قِيَمًا يجب تصويرها بأحسن صورة، وتصديرها على أوسع نطاق.

وقد حدثت في ذلك تجارب وتجارب، دأب المفتونون بالفكر الليبرالي فيها على أن ينقلوا إلى مجتمعاتنا أدواء الليبرالية، دون أن يستطيعوا أن يداووا بها مرضًا.

لن نتحدث هنا عن تجربة تركيا المريرة في ذلك، سواء على يد العلمانيين أو أشباه الإسلاميين؛ فقد يقال إن تركيا في قسم منها جزء من أوروبا، ولهذا تسعى للتواصل معها واللحاق بها، ولكن أمامنا تجربة أخرى عربية غير تلك التركية، وهي التجربة المصرية التي خاضها العلمانيون كاملة لتنتهي إلى نتائج وخيمة لا تزال الأجيال في مصر تعاني منها لليوم، ومع هذا فقد ظلت هذه التجربة الخاسرة جاهزة للتصدير رغم كل علامات التحذير من انتهاء صلاحيتها وفساد مكوناتها.

*تكرار التجارب... واجترار الأخطاء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت