فهرس الكتاب

الصفحة 6207 من 27364

د. محمد يحيى 12/3/1424

عندما أطلق وزير الخارجية الإيطالي دعوة لمسلمي إيطاليا - والمتزايدة أعدادهم خلال السنوات الأخيرة - للخروج بإسلام إيطالي يتوافق مع قيم إيطاليا وتقاليدها حسب قوله، ويسهل اندماج المسلمين في المجتمع الإيطالي، وأن تطوير مثل هذا النوع من الإسلام أمر ضروري .. لقيت هذه الدعوة الترحيب من جانب الأساقفة الإيطاليين.

وهكذا وبعد الدعوة إلى الإسلام الفرنسي والإسلام البريطاني والإسلام الهولندي جاءت الدعوة إلى الإسلام الإيطالي، وليس من المستبعد أن تتبعها الدعوة إلى الإسلام الألماني، ثم الأسباني، ثم البرتغالي ..، وإن كان من المستبعد أن تعقبها دعوة إلى إسلام في دول شرق أوروبا، حيث حسم الصرب قضية الإسلام اليوغوسلافي بالقضاء على الإسلام والمسلمين هناك، كما حسمتها ألبانيا قبل ذلك بإعلان العلمانية الغربية"الديمقراطية"، وفحوى كل هذه الدعوات هي أن أوروبا تضع شرطا أساسيا لمجرد وجود الإسلام على أراضيها، وهو أن يتحول هذا الإسلام ليصبح مجرد نسخة من تصورات أوروبا وعقائدها وقيمها وتقاليدها التي هي بالأساس نصرانية علمانية ..، أي أن شرط وجود الإسلام هو ألا يكون موجوداً .

وهذا الكلام يقال لنا وسط العظات والحديث المتكرر حول الاعتراف بالآخر وحوار الحضارات والأديان والتعددية والتسامح ..إلخ ، ونفس الذين يلقون علينا الدروس في هذه الأمور هم الذين يضعون شروط وجود الإسلام، ويلخصونها في إعدامه .

نلوم أنفسنا أولاً

والحق أن الأوروبيين لا يجب أن يوجه لهم اللوم هنا ؛ لأن البعض في بلاد المسلمين -ومنهم من يسمون بالرؤساء الدينيين- وقف أحدهم ذات مرة يلقي على المسلمين نفس كلام وزراء الداخلية الأوروبيين بالحرف الواحد، ويقول:إن عليهم احترام قوانين أوروبا"التي تمنع الحجاب"وإذا لم يعجبهم ذلك فعليهم ترك أوروبا !.

وإذا كان هذا هو كلام العلماء الرؤساء الروحيين -وهم كثر- فلا يستغرب أن يقول الساسة الأوروبيون كلاماً أشد، وأن يقول المتطرفون الأوروبيون كلاما أكثر حدة .

ومن الغريب أن دعوة البوليس الأوروبي ومعه الساسة الأوروبيين إلى إسلام معدَّل تلتقي مع دعوة البعض في بلاد المسلمين إلى الخروج بإسلام جديد معتدل ومنقح ومطور ومجهز يناسب الأجواء العصرية، التي هي في الواقع ليست سوى القيم والتقاليد والتصورات الأوروبية الغربية .. كما أن حكاية الإسلام المفصَّل على مقاس أوروبا أو مقاس كل بلد في أوروبا على حدة ؛ تلتقي هي الأخرى مع الغزوة الأمريكية التي تريد تعديل الإسلام في بلاده نفسها، بحيث يصبح مجرد نسخة من الأفكار والتصورات الأمريكية .

وهكذا يصبح عندنا صناعة محلية وتصميم أجنبي لإسلام أمريكي، سوف يضاف هو الآخر إلى القائمة مع الإسلام الروسي الذي أعلن عنه؛ ليتعدل ويتبدل ويتغير، لكي يصبح إسلاما آخر، أي أن يُلْغى وجوده .

وللمرة العاشرة لا يجب أن نستغرب فالكبار يسمعون هذا الكلام من أوروبا ولا يردون عليه، والمثقفون - كما يقولون عن أنفسهم - يسمعون هذا الكلام ويصفقون له، وينصبون أنفسهم متحدثين باسم إدارات الشرطة الغربية، ويكتبون في أوسع الجرائد انتشاراً يطالبون المسلمين بأن يقوموا بإصلاح ديني يخرجون معه بما يعجب الغرب ويتلاءم معه، باعتبار ذلك الغرب هو النموذج الأعلى .

مسخ و تشويه

ولقد سبق أن قلنا وقال غيرنا إن حكاية الإصلاح الديني والتجديد الديني المزعوم الذي تطالب به أمريكا والغرب لا يهدف إلا إلى مسخ الإسلام وتشويهه، وتفصيل دين جديد يكون على هوى الغربيين ومزاجهم وميولهم ، لكن البعض الآن داخل وخارج المؤسسات أصبح يتبين هذه الدعوة ويفرضها على أنها مطلب محلى خطير ونابع من التربية الوطنية، بينما هي عملية عندهم تقتصر على مجرد التطويع وليِّ أعناق الأحكام ؛ لكي يخرجون منها بما يريدون .

ولعل في هوجة (الإسلام على المقاس) ما يفسر مسألة تحديث الخطاب الديني التي جعلوا منها قضية الموسم في الفترة الماضية . إنهم يريدون ألا يجهدوا أنفسهم في تفصيل أشكال وأزياء الإسلام المختلفة؛ بل يريدون من المسلمين أنفسهم أن يقوموا لهم مشكورين -في الغالب- بإعدام أنفسهم ودينهم، وإمساك المقص لكي يمزقوا الخرقة ويفصلوا منها ستين جلبابا في وقت واحد!.

وأخيراً فمن المضحك أن بعض الكتاب المنسوبين إلى الإسلام يخرجون علينا بشعار"بيدي لا بيد بوش"لكي يقولوا إننا كمسلمين يجب أن نقوم نيابة عن الأوروبيين بعملية التفصيل والقص و اللصق، لكي نضمن أن يكون التشويه للإسلام أكثر أمانة مما يقوم به الغربيون!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت