ياسر بن علي الشهري
تشير قضايا العولمة وتأثيراتها المتعددة إلى أن ميدان الصراع القائم والمستقبلي هو ميدان الثقافة والإعلام، حيث تبدلت وتغيرت وسائل السيطرة وإخضاع الشعوب؛ نتيجة للقوة التي تمتلكها تكنولوجيا الاتصال الحديثة في جانبي الوصول إلى كافة بقاع الأرض وما تتمتع به من أساليب إقناعيه وخصائص فنية.
والأمة المسلمة التي تسعى إلى النهوض من جديد، من خلال تقوية صلتها بالله _سبحانه وتعالى_، والاستقامة على أمره، وإقامة الحياة على العلم القائم على الكتاب والسنة النبوية المطهرة، لمواجهة الهيمنة الثقافية الغربية (الإمبريالية الإعلامية الثقافية) لابد لها من بناء إعلامها على الأسس القويمة لدين الله ليعبر عن وجودها المعنوي ومكانتها في حمل الهداية والسعادة والسلام للعالم.
"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (آل عمران:110) .
ولكن كيف تنهض الأمة، وقد فقدت قوتها المعنوية، وأصبحت منهزمة من الداخل، إذ إن الإعلام الذي ينسب إلى المسلمين اليوم يمثل في غالبه صورة من صور الهزيمة النفسية للأمة أمام الثقافة والقيم الغربية، حتى أفقدهم الثقة في أنفسهم، وأصبح عائقاً أمام محاولات النهوض التي تفتقد في معظمها إلى الوسائل العصرية والفاعلة كوسائل الاتصال الجماهيري.
وعجز الأمة عن استثمار القدرات والإمكانات الهائلة لوسائل الإعلام للنهوض،لا يعني نهاية المطاف، بل إن ذلك يوجب على علماء الأمة، والمتخصصين في هذا المجال تحذير الأمة من استثمار أعدائها لهذا السلاح العصري الخطير وكشف أساليبهم في هدم كيان الأمة، ونسف قيمها ومبادئها، والسير بها خلف التيارات الفكرية المنحرفة، وتقديم التنازلات العقدية والأخلاقية، دون وعي من أبناء المسلمين بدعوى التحضر والحداثة والعصرية.
يقول عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، فيظهر أهل الجاهلية من أجل تقويض عرى الإسلام، فلا يقبل منهم أهل الإسلام ذلك، لمعرفتهم بهم وبجاهليتهم".
وقد حدد القرآن الكريم أعداء الأمة على اختلاف أصنافهم وأشكالهم وطبيعة نياتهم ومواقفهم وسبل مواجهة كل ذلك.
قال _تعالى_:"مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" (الأنعام: من الآية38) .
وقال _تعالى_:"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" (النحل: من الآية89) .
والمنافقون هم أكثر العناصر المعادية للإسلام إشاعة للغربة التي حذر منها الرسول _ r_ في المجتمع المسلم، من خلال عملهم الدائم الدؤوب لهدم عرى الإسلام وصرف الناس عنه قال _تعالى_:"هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (المنافقون: من الآية4) .
يقول ابن القيم _رحمه الله_:"إن بلية الإسلام بالمنافقين شديدة جداً؛ لأنهم منسوبون إليه وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والفساد، فلله كم من معقل للإسلام هدموه؟ وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ وكم من علم له قد طمسوه؟ فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون".
وهذه الفئة مهما تخفت فإن الله يظهر ما تضغنه صدورهم وما تبطنه قلوبهم، قال _تعالى_:"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ" (محمد:29، 30) .
ولذلك ورد الحديث عن النفاق والمنافقين في سبع عشرة سورة مدنية من جملة ثلاثين سورة، واستغرق ذلك قرابة مئتين وأربعين آية. قال ابن القيم _رحمه الله_:"كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم".
وعلى ذلك فالمنهج الصحيح هو الكشف عن الأساليب الإعلامية للمنافقين بالعلم الصريح القائم على كتاب الله وسنة رسوله _ r_ للبعد عن الوهم والخرافة والظن، قال _تعالى_:"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء: من الآية9) .
فالقرآن الكريم كما يقول سيد قطب _رحمه الله_:"كان دائماً في المعركة الناشئة في القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام، والمعركة الناشئة في الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين يتربصون بها من كل جانب، هذه المعركة كتلك ما تزال قائمة، فالنفس البشرية هي النفس البشرية، وأعداء الأمة الإسلامية هم أعداؤها، ولا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة الإسلامية إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة يخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة".