فهرس الكتاب

الصفحة 24315 من 27364

أ. سمير مرقص**

وهي مدرسة تدعو للحوار بين الثقافات والحضارات والأديان انطلاقًا من أن الصدام الحضاري ليس صدامًا حول"المسيح"أو"كونفوشيوس"أو"محمد"صلى الله عليه وسلم بقدر ما هو صراع سببه التوزيع غير العادل للقوة والثروة والنفوذ، والازدراء التاريخي الذي تنظر به الدولة والشعوب الكبرى إلى الصغرى. وفي نفس الوقت يعيد أبناء هذه الرؤية النظر إلى الثقافة باعتبارها وسيلة للتعبير عن المنازعات وليست سببا فيها. بيد أنه بالرغم من محاولة التمايز عن الرؤية الاستشراقية ببعديها القديم والجديد فإن هاجس وجود عدو وضرورة تحديد هويته يبقى أمرًا مشتركًا بين الرؤيتين. فالإيجابي الذي يعكس سمة الاختلاف -بعض الشيء- مقارنة بالرؤية الأولى هو أن هذه الرؤية لا تقوم بشكل مسبق بتسمية العدو، وإنما تضع مبادئ مرجعية للقياس عليها، وتخلص إلى أن من يقف ضد هذه المبادئ سيصبح عدوًا بالضرورة، وهذه المبادئ يمكن إيجازها فيما يلي:

أ. الرأسمالية والسوق الحرة.

ب. حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية العلمانية.

ج. الدولة/الأمة كإطار للعلاقات الدولية.

لا يتردد أصحاب هذا الاتجاه من توجيه بعض الانتقادات للنظام الغربي كما يقبلون بعض الانتقادات التي يوجهها"الآخرون"من العالم الثالث/الشرقي للممارسات الغربية؛ وهو ما يعني وجود مساحة حوارية بين الغرب والآخرين، ولا يمانع أيضًا أنصار هذه الرؤية من الأخذ بمفردات ومفاهيم بعض الاتجاهات النظرية لمدرسة التبعية من نوعية: المركز الأطراف، كذلك قبول بعض المصطلحات الدالة على أوضاع اجتماعية واقتصادية صكها المجتمع الدولي مثل: الشمال والجنوب، الأغنياء والفقراء، بل والاطلاع على نتائج المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع الدولي في العالم فيما يتعلق بقضايا البيئة والموارد والفقر والتنمية والمرأة... إلخ.

ويكرس أنصار الرؤية الاستشراقية المعدلة وقتًا غير قليل لمحاولة فهم الواقع المجتمعي للعالم الثالث بوجه عام وللبلدان الإسلامية بوجه خاص، ويحاولون التعرف على الأسباب التي أدت إلى عدم استقرار بعض هذه البلدان ومدى تأثير ذلك على النظام العالمي.

وتتفهم الرؤية الاستشراقية المعدلة كثيرًا مشاعر العالم الإسلامي في أنه يعيش تحت حصار فرضه عليه الغرب في عديد من المجالات الحيوية السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ويمتد هذا التفهم إلى إدراك الأسباب التاريخية التي أدت إلى ذلك، وإلى إشكاليات عملية التحديث التي فرضها الغرب وما اقترن بها من توترات اجتماعية واقتصادية.

إلا أن أنصار الرؤية"المعدلة"يقاومون بكل قوة الاستقلال التام عن الغرب بل ومنع ذلك وضرورة اتباع النموذج الغربي الذي أثبت نجاحه، وعليه تطرح هذه الرؤية مهام، على الغرب أن يؤديها، وذلك كما يلي:

أ. مراجعة القيم والمفاهيم الغربية لتواكب المتغيرات.

ب. ترك العالم الثالث يسلك طريقه نحو التحديث، كل حسب الطريقة التي يختارها، والتفاعل بصورة إيجابية مع الدول التي تحقق تقدما اقتصاديا في الإطار الغربي.

ج. مساعدة الدول التي لا تستطيع تحقيق التقدم بحسب النموذج الغربي حتى لا تقوم مواجهة بين الغرب والآخرين.

إن أنصار هذه الرؤية يتيحون قدرًا من الحركة والحرية للآخرين، ولكنهم يؤكدون على مرجعية النموذج الغربي في النهاية؛ لذا فهم في النهاية ما هم إلا طبعة معدلة من الرؤية الاستشراقية في صورتها القديمة الجديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت