موازناته السياسية ومأزق العلمانية
رجب طيب أردوغان
تناولنا في الحلقة السابقة بدايات أردوغان الاجتماعية والسياسية، ورأينا كيف ارتبطت أفكاره وحياته السياسية بالبروفيسور نجم الدين أربكان، وتفاعله مع مدرسته الفكرية من خلال"حزب السلامة"مروراً ب"الرفاه"ثم"الفضيلة"، وبداية تمايزه السياسي بتأسيس"العدالة والتنمية".. مروراً بمواقفه الحياتية المعبرة عن شخصيته القيادية...
وقد حفلت مسيرته السياسية وتطبيقه لأفكاره الإصلاحية على أرض الواقع التركي بمنحنيات سياسية وفكرية
عبر علاقاته مع العسكر والعلمانيين، بجانب الحلم الأوروبي الذي يراود الأجيال التركية.
فعندما تولى أردوغان دفة الحكم في تركيا قام بسلسلة من الإصلاحات السياسية، على رأسها إصدار الليرة التركية الجديدة التي عوضت الواحدة منها مليون ورقة من الليرات القديمة. وعمل البنك المركزي على المحافظة على قيمة الليرة الجديدة، مما ساهم في استقرار السوق، وثقة المواطن التركي في عملته المحلية.
إلا أن أهم خطوة خطتها حكومة أردوغان في طريق الإصلاح الاقتصادي، هي كشف ملفات رجال الأعمال المتورطين
في جرائم مالية، ومحاكمتهم ومصادرة أموالهم.
وكان أول من استهدفته حملة مواجهة الفساد، رئيس الحكومة الأسبق مسعود يلماظ، الذي اعتزل السياسة إثر هزيمته
أمام أردوغان في انتخابات 2002م.
فبسبب تورطه هو ومساعده حسام الدين أوزقان في عمليات اختلاس أموال الدولة وتلاعب في بعض المناقصات من أهمها مناقصة خصخصة"مصرف توركبنك"خضع الاثنان لتحقيقات مطولة بدأت عام 2003م، وانتهت في 2005م، حيث تم القبض على العديد من المتورطين في هذه العمليات (1) .
ثم تابعت حكومة أردوغان سجلات رجل الأعمال وزعيم"حزب الشباب"وصاحب أكبر قناة تلفزيونية خاصة وأكبر شركة هواتف في تركيا"جم أوزان"المتورط في قضايا اختلاسات وتلاعب عديدة؛ من بينها تهربه من دفع مستحقات شركة موتورولا الشهيرة، التي رفعت ضده دعوى تلتها سلسلة من الدعاوى من الادعاء العام التركي أدت إلى مصادرة أملاكه بما فيها قناته التلفزيونية وصحيفة ستار (2) .
برنامج الخصخصة
وبعد أن قام أردوغان بتطهير البلاد من أكبر عصابات الفساد المالي، اهتم بسد العجز المالي للبلاد بتفعيل برنامج الخصخصة وجلب رؤوس الأموال الأجنبية والعربية على وجه الخصوص. وقام بسلسلة من الزيارات إلى مختلف الدول الخليجية ممّا درّ على تركيا أموالاً كثيرة دخلت البلاد؛ في شكل استثمارات مباشرة مثل مشروع"أبراج سما دبي"الذي تقرر بناؤه في إسطنبول، وكذا شراء شركة"سعودي أوجيه"أكبر مجموعة أسهم من شركة الاتصالات التركية، بجانب عدد من المشاريع الاستثمارية حصلت عليها شركات تركية في عدد من الدول العربية، في مجال البناء والإعمار (3) .
ونتيجة لهذه السياسة المنفتحة على العالم العربي دخل السوق التركية في عام 2004م فقط ما قيمته 42 مليون دولار من الأموال العربية (4) .
حركة"فكر الأمة"
وبعد وصول أردوغان إلى رئاسة الحكومة مازال يكنّ الاحترام والتقدير لقدوته البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم"حركة فكر الأمّة"الممثلة في"حزب السلامة"و"الرفاه"و"السعادة".
فقد استصدر قانوناً خاصاً، لإنقاذ شيخه من السجن، عرف هذا القانون ب (قانون أربكان) (5) يقضي بتنفيذ عقوبة السجن التي لا تتجاوز ثلاث سنوات على المسنين في بيوتهم؛ أي تحويل حكم السجن إلى الإقامة الجبرية.
ورغم اعتراض رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر على ذلك القانون، إلا أن نواب (حزب العدالة والتنمية) أصروا على إقراره دون تعديل.
موقفه من القضية الكردية
وفي مؤتمر حزبه السنوي الذي نظمه عام 2006م في مدينة"ديار بكر"أكبر المدن الكردية جنوب شرقي الأناضول صرّح أردوغان بأن في تركيا مشكلة كردية (6) ، واعتبر هذا التصريح سابقة في تاريخ الجمهورية التركية التي لا يعترف دستورها بوجود أقليات عرقية فيها، وحسب ما تنص عليه"اتفاقية لوزان"التي قامت على أساسها الجمهورية عام 1923م، وأدّى ذلك التصريح إلى ردود أفعال شديدة من الأحزاب القومية التركية مثل"حزب الحركة القومية"و"حزب الوحدة الكبرى".
غير أن ذلك لم يزد أردوغان وحزبه إلا شعبية بين الأوساط الكردية والإسلامية وحتى العلمانية، إضافة إلى تعزيز ثقة الاتحاد الأوروبي بحزب العدالة والتنمية وزعيمه الذي لم يكتف بالاعتراف بالمشكلة الكردية، بل دعا قبل ذلك من داخل البرلمان إلى حل تلك المشكلة بشكل سلمي، مقترحاً فكرة الهوية المزدوجة أي أن تتقبل كل الأطراف هوية المواطن الظاهرة وهي المواطنة داخل الجمهورية التركية مع هويته الخفية، وهي الأصل العرقي للمواطن سواء كان كردياً أو عربياً أو شركسياً أو غير ذلك من النسيج العرقي للمجتمع التركي (7) .
معادلة الاتحاد الأوروبي والعسكر