فهرس الكتاب

الصفحة 5805 من 27364

وقد عرف أردوغان كيف يدخل إلى قلوب عامّة الشعب من مختلف فئاته وأعراقه، غير أنه بقي متخوفاً من تدخل السلطات العسكرية مجدّداً في الحياة السياسية للبلاد، كما حدث في انقلابات 1960م و1980م و1997م، لذلك عمل على الدخول بالبلاد في سلسلة من الإصلاحات السياسية تحت اسم"مواءمة معايير الاتحاد الأوروبي".

ومن أهم الإصلاحات التي نجح أردوغان في تحقيقها، الحد من صلاحيات رئاسة الأركان العامّة أكبر قيادة عسكرية في تركيا، وإقحام أعضاء الحكومة المدنيين في اجتماعات مجلس الأمن التركي، كي تبقى المؤسسة العسكرية تابعة للحكومة وتحت رقابتها.

وكلما حاول الجيش التدخل في الحياة السياسية للبلاد، وجد نفسه في مواجهة الحكومة والإرادة الشعبية التركية والاتحاد الأوروبي الذي لا يعتبره أردوغان إلا ذريعة لإدخال إصلاحات على البلاد.

سياسته الخارجية

بنى أردوغان سياسته الخارجية على محاور أساسية، تهدف جميعها إلى خلق موازنات صعبة بين المصلحة والمبدأ، مستفيداً من مستشاره في العلاقات الخارجية البروفيسور"أحمد داود أوغلي"وصديقه وعضده الأيمن وزير خارجيته"عبدالله جول".

هذه الموازنات تدور حول:

الانفتاح على الاتحاد الأوروبي، دون تقديم تنازلات في المسألة القبرصية.

الانفتاح على العالم العربي والإسلامي في المجال الاقتصادي، دون إثارة غضب الجيش والعلمانيين.

المحافظة على العلاقات مع الدولة العبرية، مع الضغط عليها لصالح الجانب الفلسطيني.

المحافظة على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مع عدم التورط معها في عملياتها العسكرية بالمنطقة.

تحسين العلاقات مع دول الجوار، وخصوصاً سورية، دون إثارة حفيظة واشنطن وتل أبيب.

اتخاذ تدابير أمنية وعسكرية شديدة مع إدارة شمال العراق التي يتهمها بدعم الانفصاليين الأكراد في تركيا مع تجنب الدخول في حرب مع الجانب العراقي.

غير أن المشكلة الوحيدة في هذه السياسة أنها لا تنعكس بشكل مباشر على صناديق الاقتراع؛ لأن الناخب التركي البسيط ليس مطلعاً عليها ولا حتى مهتماً بها.

وبسبب تلك السياسة المتوازنة بدأت تركيا يوم 3 نوفمبر 2005م فعلياً مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي على العضوية. وأثمرت هذه السياسة على الجانب الاقتصادي، حيث تدفقت رؤوس الأموال العربية والغربية على تركيا، التي أصبحت للمرة الأولى في تاريخها عضواً مراقباً في جامعة الدول العربية، إضافة إلى تمكن التركي (إحسان أوغلو) من الفوز برئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي، لأول مرة في تاريخ تلك المنظمة.

وظهرت حكومة أردوغان أكثر راديكالية من الحكومات التي سبقتها خصوصاً في مسألة احتلال العراق، حيث رفض مجلس الأمّة التركي في 1-3-2003م استخدام الأراضي التركية لضرب العراق، ممّا زاد من وزن تركيا في منطقة الشرق الأوسط وأكسبها قدرة على توجيه انتقادات شديدة إلى التجاوزات التي يقوم بها الصهاينة على الشعبين الفلسطيني واللبناني والمقدسات الإسلامية في الأراضي المحتلة (8) .

أردوغان وإعادة صياغة العلمانية

اعتاد أردوغان منذ تأسيسه حزب العدالة والتنمية أن ينفي عن حزبه صفة الحزب الإسلامي، ويؤكّد أنه حزب علماني ملتزم بمبادئ الحداثة والعلمانية، التي أقام على أساسها مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية، إلا أن الأطراف العلمانية في تركيا استمرت في اتهام حزبه بأنه حزب ديني رجعي، يسعى إلى العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

وردّاً على هذه الادعاءات أكد أردوغان مؤخراً (9) أن"حزب العدالة والتنمية"ليس حزباً دينياً، بل هو حزب يقوم على أسس إنسانية، قائلاً:"العلمانية الصحيحة تتعامل مع كل العقائد بنفس الشكل، وعلى النظام العلماني حماية كافة العقائد.. وعليه فلا يمكن أن يكون الشخص علمانياً، لكن الدولة يمكن أن تكون علمانية".

ويمكن أن نطلق صفة العلماني على كل شخص يدافع عن النظام العلماني، لكن إذا تحول هذا الدفاع إلى محاربة للإسلام، فتلك هي الكارثة.. وعلينا ألاّ نخلط بين هذا وذاك.

وعلينا كذلك أن نعلم أن كل الأنظمة وسائل؛ فالديمقراطية وسيلة والعلمانية وسيلة والأديان كذلك وسيلة...

أما الهدف فهو تحقيق السعادة للإنسانية، وأنا في فهمي الخاص هذا لا أخلط بين الوسائل والأهداف. ولكن إذا تم تحويل الوسائل إلى غايات فإنها تتحول إلى محرمات وتلك هي المشكلة.."."

الأزمة الأخيرة

رغم كل ما حققه أردوغان من مكاسب سياسية واقتصادية لبلده تركيا التي كانت تعاني من أزمات في شتى المجالات قبل توليه الحكومة بدأت مجموعات من المعارضين لمشروعه الإصلاحي والمتخفين وراء شعار العلمانية والجمهورية لخدمة مصالحهم الذاتية تشن حملة على حزب العدالة والتنمية وحكومته. لم ينجحوا في إسقاطها خشية فقدان المكاسب التي حققها البلد في المجال الديمقراطي، ولكنهم عن طريق أداة الديمقراطية ذاتها يسعون إلى تقزيم العدالة والتنمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت