حماس نموذجاً 1/2
أ.د. عبدالله بن إبراهيم الطريقي 14/1/1427
ابتداءً أعتذر للقارئ الكريم بأنني لست خبيراً سياسياً في مجال العمل، ولا متخصصاً في القانون أو الأنظمة السياسية، ولذا فسيكون حديثي مجرد اقتراحات من كاتب ليس يخلو من معلومات في السياسة الشرعية، أزجيها لإخواني في فلسطين، ولاسيما في حركة حماس الإسلامية؛ إثر فوزها في الانتخابات التشريعية.
ولعل من الأفضل أن أجعل حديثي في سلسة من النقاط بغية التركيز، والبعد عن التكرار.
• أهمية العمل السياسي:
لا يماري أحد في أهمية السياسة في حياة الأمم، والأمة المسلمة دخلت غمار السياسة منذ نشأتها؛ إذ مورست السياسة في أصولها ومظاهرها الرئيسة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفته حاكماً ورئيساً لدولة المدينة..
ثم نهج الخلفاء الراشدون منهج النبوة مع اكتمال عناصر السياسة والدولة في عهدهم، واستمر المسلمون على ذلك مع وجود تطورات في الأنظمة السياسية.
وقد حرصت الأنظمة السياسية في التاريخ الإسلامي -على الرغم من اختلافها وتقلبها- على الإبقاء على كيان الإسلام وكيان الأمة المسلمة، قروناً طويلة، إلى أن مزقها الاستعمار العسكري والثقافي.
وفي عصرنا الحديث عني الكثيرون بالسياسة، ولاسيما في وجهها النظري.
إلا أن الاهتمام بالسياسة الشرعية، أو قل السياسة في الإسلام ليس كما ينبغي.
ومع ذلك نلحظ أن ساحة العمل السياسي لم تشغر من مفكرين ومنظرين وممارسين ممن لهم عناية ودراية بعلوم الشريعة أو الثقافة الإسلامية بصفة عامة.
وقد وُجدت عدة تجارب في بلاد إسلامية حاولت خوض معترك السياسة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، مثلاً: ( باكستان، مصر، السودان، الأردن، اليمن..) .
وربما يرى البعض بأن تلك التجارب لم يُكتب لها النجاح المأمول، وقد يبلغ اليأس ببعضهم إلى درجة المراهنة على إخفاق أي خطوة عملية في مجال السياسة.
وأعتقد أن هذا يأس مذموم؛ بدليل أن الملك عبد العزيز ابن سعود استطاع في منتصف القرن الماضي أن يؤسس دولةً إسلامية عصرية، توافرت لها عوامل النجاح، واستمرت على ذلك إلى الآن.
• الوضع العالمي الراهن:
إن الوضع الذي نعيشه ليس عادياً، فعالم الغرب والشرق يموج بالمتغيرات، وأسباب القوة توافرت لدول غير مسلمة؛ حتى صار بيدها الحل والعقد للأوضاع العامة في العالم.
ثم تطوّعت هذه القوى المستكبرة فصنفت الدول والشعوب وفق سلّم جائر، وأصبح العالم الإسلامي بموجب هذا التصنيف في آخر السلّم.
ولا شك أن ذلك يفرض على كل قائم بأمر أن يأخذه بالاعتبار.
• السياسة الشرعية ضرورة:
إذا أُطلقت"السياسة الشرعية"فإنها تنتظم أمرين:
أحدهما عام، والآخر خاص.
أما العام فالمراد به ما يقابل السياسة الوضعية، ويكون المراد بها مطلق التشريعات الإسلامية، أي السياسة التي تأخذ بالإسلام ديناً ومنهج حياة، ويقابلها هنا السياسات غير الإسلامية، سواءً كانت لا دينية"علمانية"، أو ذات دين غير إسلامي.
وأما المعنى الخاص: فيُراد به ما تعارف عليه فقهاء الإسلام من التصرفات والتدبيرات الحازمة التي يأخذ بها الحاكم سواء أكان قاضياً أم إماماً أم أميراً..
أو جملة التدابير والتنظيمات القائمة على الاجتهاد من لدن ولاة الأمر في دولة الإسلام، من أجل مواجهة الواقع المتغير.
وكلا المعنيين السابقين (العام والخاص) مهم، بل ضروري في المجتمعات المسلمة، فإن الأول هو ما يميز بين الدولة المسلمة وغير المسلمة، والثاني يميز الدولة المسلمة العصرية والمتطورة عن الدولة المسلمة الخاملة، أو ذات الفكر الجامد ( الظاهرية الجامدة) .
• قواعد عامة:
يذكر أهل العلم الباحثون في مجال السياسة الشرعية جملةً من القواعد التي تُبنى عليها هذه السياسة.
ويمكن تقسيم هذه القواعد قسمين:
القسم الأول: مصادر السياسة الشرعية ومواردها.
والقسم الثاني: مرتكزات السياسة الشرعية.
فالقسم الأول، هي مصادر تستمد منها السياسة شرعيتها وقوتها ووجودها.
والحقيقة أن هذه المصادر نوعان بحسب السياسة التي يُراد شرعنتها، فإن كانت السياسة الشرعية المقابلة لغير الإسلامية فمصادرها إجمالاً: الوحي المنزل مع الإجماع والقياس، ثم بقية المصادر التبعيّة: كالمصلحة المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعُرف.
وإن كانت السياسة الشرعية، المقابلة للظاهرية الجامدة، فمصادرها في الجملة هي المصادر التبعية المشار إليها، وهذه المصادر - الأصلية والتبعية - كلها تقتبس من مشكاة النبوة المحمدية، وهو ما يميز بينها وبين المصادر البشرية عقلية كانت أو عرفية أو دينية.
وأما القسم الثاني من القواعد، وهو المرتكزات والأعمدة التي تنهض عليها السياسة الشرعية فإنها كثيرة، وأهمها فيما أرى: