الجنادرية ومؤتمرات مؤسسة التميمي بتونس
نظّم الحرس الوطني بالمملكة خلال مهرجان الجنادرية الحادي عشر ندوة كبرى بعنوان (الإسلام والغرب) ودعي للمشاركة فيها عدد كبير من الباحثين العرب والمسلمين والأوروبيين والأمريكيين، واستمرت فعاليات الندوة أسبوعاً كاملاً تخللها عدد من النشاطات الأخرى.
وقد سعدت بحضور ندوتين سابقتين من ندوات الجنادرية إحداهما كانت حول منهج الدعوة إلى الله بالإضافة إلى الندوات الخاصة بالمسرح العربي. وقد حضرت هذه الندوة بتكليف من عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود وإعداد تقرير علمي عن مجريات الندوات مما مكنني من التعرف عن قرب على ندوات الحرس الوطني. وأما الندوة الأخرى فأذكر منها بعض المحاضرات مثل الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأمريكية التي قدمها الدكتور عبد العزيز السويل. وتابعت ندوات الجنادرية الأخرى من خلال الإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى. ولذلك سأعدها أحد النموذجين الذين سأتحدث عنهما في هذه المقالات.
تميزت ندوات الجنادرية بجدية الموضوعات وحسن اختيارها وجدارتها بالبحث والنقاش، كما تميز المشاركون بتنوع خلفياتهم ومشاربهم. وهذه البلاد تجعل العقيدة الإسلامية منطلقها في جميع الأمور ومنها الندوات والمؤتمرات وذلك لأن الله عز وجل قد اختار الجزيرة العربية لتكون حرماً لهذا الدين كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) ، فلا غرو أن يكون الجانب الإسلامي هو الأكثر عرضاً.
ومع ذلك فعملاً بالمنهج القرآني في سعة الأفق والحلم والحكمة في دعوة المخالفين فقد تعددت المشارب في ندوات الجنادرية عموماً. ويهمني أن أركز على الندوة الأخيرة لأنها عقدت منذ عدة أشهر ولقربها من اختصاصي العلمي وكانت بعنوان (الإسلام والغرب) فقد تحدث فيها من الأمريكيين صاموئيل هاتنقتون، ورالف برايبانتي وخالد بلانكشب، ومن الأوروبيين مراد هوفمان، ومن العرب المسلمين فهمي جدعان، وعبد الجليل التميمي، و ملحم كرم ومن المملكة أبو بكر باقادر، وعبد العزيز السويل. ومع ذلك فقد كتب أحدهم في إحدى الصحف العربية التي تصدر من بريطانيا في الأيام الأولى لانعقاد الندوة ينتقد غلبة الاتجاه الإسلامي ويرجع ذلك إلى نفوذ بعض أعضاء اللجنة الاستشارية الذين ينتسبون لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولكن الحرس الوطني كان أبعد نظراً من هؤلاء الذين لو أتيحت لهم الفرصة لاختيار من شاؤوا لما تركوا لغيرهم مكاناً أبداً والأمثلة أكثر من أن تحصى.
وكان النقاش مفتوحاً بطريقة رائعة رغم العدد الكبير الذي يحضر الندوات ورغبة الكثيرين في التعليق أو طرح الأسئلة، ولم يضق مديرو الندوات بالمداخلات أو بالأسئلة. ففي إحدى الفقرات وكانت حول الجذور التاريخية للعلاقات بين الإسلام والغرب تحدث الدكتور عبد الجليل التميمي ويبدو أنه أخذته الحماسة في امتداح جهود الباحثين الغربيين (المستشرقين) في إبراز بعض النماذج المضيئة من التراث الإسلامي مثل ابن خلدون، ولما طلبت التعليق أشرت إلى أن الباحثين الغربيين أشادوا أكثر بالنماذج السيئة في التراث الإسلامي، وإنني راجعت دائرة المعارف الإسلامية التي يصدرها المستشرقون فوجدت التركيز على كثير من النماذج السيئة من أمثال ابن عربي والراوندي وثورة الزنج والإسماعيلية وإضفاء هالة من الأهمية على هؤلاء وإعطائهم مساحة أكبر مما يستحقون.
وتميزت ندوات الجنادرية بالاهتمام بالضيوف فبالرغم من الطابع العلمي الصارم للندوات إلاّ إن الكرم العربي الإسلامي واضح جداً في معاملة الضيوف وتحمل كافة المصروفات بل نقل الضيوف من الخارج على حساب الحرس الوطني.
وكانت التغطية الإعلامية جيدة لندوات الجنادرية لكن كان من الصعب على الجمهور في المدن الأخرى متابعة الندوات كما أشار إلى ذلك الدكتور سالم سحاب في مقالة له بأنه كان يود لو أعد برنامج يوضح الأوقات التي ستنقل فيها الندوات والمحاضرات ليتمكن المشاهدون من مشاهدتها أو تسجيلها إن لم يتمكنوا من المشاهدة في وقت عرضها. أما الندوات السابقة فحبذا لو أعطى الحرس الوطني حق توزيع تلك المحاضرات بعد طبعها في كتب، فهي ما تزال توزع عن طريق إدارة المهرجان فقد لا تصل إلى كل المهتمين بهذه الندوات.