فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 27364

د.باسم خفاجي

فرض الإعلام الأمريكي نفسه على كثير من دول العالم الإسلامي والعالم العربي بصورة الإعلام الصادق والمتميز والمعتدل. وساهم في تضخيم هذه الصورة ضحالة الإعلام الحكومي الموجه في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وانخفاض وقلة استخدام الوسائل التقنية الحديثة لإيصال المعلومة بأكفأ وأسهل طريق إلى أكبر قطاع ممكن من الشعب، وكذلك تنافس وسائل الإعلام العربية والإسلامية في إبراز الغرب وكافة وسائلة الإعلامية وأدواته الثقافية بصورة وردية مشرقة ومبهرة.

وفي عالم تزيد عدد اللغات فيه عن 6000 لغة، وتتنوع وتتباين فيه القيم الحضارية والدينية، نجد أن الإعلام الغربي يمثل أكثر من 90% من حركة الإعلام المتدفق بين أرجاء العالم في السنوات الأخيرة. ولا شك أن لهذه الهيمنة آثارًا على محاولات الحفاظ على الهوية الدينية، واللغات والثقافات غير الغربية، والوقاية من الأمراض الأخلاقية الغربية التي تتسرب إلى الشعوب من خلال تدفق المعلومات.

ويستدعي هذا الأمر محاولة جادة لفهم هذا الإعلام وكيف يعمل. وفي هذا المقال إطلالة على بعض المحاذير التي ينبغي الانتباه لها عند التعامل مع الإعلام الغربي بشكل عام، والأمريكي بشكل أكثر خصوصية. ويركز المقال على علاقة الشخصية الغربية بنوع الإعلام الغربي الذي يوجه إلى العالم الخارجي، ومعرفة أثر الثقافة المحلية والجوانب الفكرية الأمريكية على هذا الإعلام. وأخيرًا علاقة الإعلام الأمريكي باللوبي الموالي للحركة الصهيونية.

1-فهم العقلية الغربية

إن من الخطورة بمكان - قبل أن نفسر المواقف الغربية - أن نحاول البحث عن الدوافع الأمريكية والغربية من خلال منطلقات وعقلية عربية إسلامية بحتة دون فهم الخلفيات الفكرية التي ينطلق الإنسان الغربي منها في حياته اليومية وتعامله مع قضايا العالم. إن المتابع للغرب يعلم يقينًا أن الإعلام الغربي والأمريكي تحديدًا ليس كتلة صماء ذات موقف واحد من القضايا التي تعترض الشعب الأمريكي، وإنما هو نتاج توازن مجموعات من قوى الضغط ذات المصالح الداخلية المتضاربة، ولكن تجمع هذه القوى في الوقت نفسه على أهمية استغلال العالم أجمع من أجل تحقيق السيطرة الأمريكية الكاملة على الواقع العالمي. وتتداخل مجموعة من العناصر الاقتصادية والسياسية والفكرية والدينية لتساهم في تشكيل الرسالة الإعلامية في أمريكا.

"إن الإعلام والصحفي الأمريكي يبحث عن الخبر والمعلومة ليس من أجل قيمتها الثقافية أو المعرفية، وإنما من أجل مساحة الإثارة والاهتمام التي تحدثها لدى الرأي العام، الذي يمكن أن يستثيره الخبر."

ليو جيفري، مجلة أخبار الصحافة،"تغير دور الصحفي في عصر التلفاز"

ومن المهم كذلك إدراك أن التيار الغالب على الحياة الأمريكية الإعلامية والسياسية هو تيار لا ديني يستخدم الدين والدنيا معًا لتحقيق مطامعه في السيادة والهيمنة، وليس تيارًا دينيًا يسعى إلى نشر رسالة أو الدعوة إلى موقف عقدي. ولا يعني ذلك انعدام وجود المتدينين، ولكن يبقى دور الدين في الحياة السياسية والإعلامية الأمريكية محدودًا في عالم تدافع المصالح والرغبة الأمريكية الجامحة في السيطرة على العالم، وسحق أي بديل حضاري يمكن أن يهدد هذه الرغبة.

2-الإعلام المحلي مقابل الإعلام القومي

يغطي الإعلام الأمريكي قارة بأكملها ويهدف إلى توفير المعلومة والخبر إلى أكثر من 280 مليون نسمة تقطن الولايات المتحدة. ولذلك فإن الإعلام المحلي له من القوة والتأثير على الرأي العام ما لا يتوفر لكثير من وسائل الإعلام القومية، ويختلف ذلك عن الصورة المعتادة للإعلام في العالم العربي إذ أن الصحف القومية تتمتع بغالبية القراء. أما في الولايات المتحدة فإن رجل الشارع الأمريكي لا يقرأ في الغالب صحيفة النيويورك تايمز أو الواشنطن بوست إذا لم يكن من سكان نيويورك أو واشنطن، ولكنه قد يقرأ الصحيفة الهامة في مدينته.

ولعل هذا ما يفسر وجود أكثر من 1500 صحيفة يومية أمريكية. ولتوضيح ذلك، فإن مجمل ما يطبع يوميًا من الصحف الرئيسية الكبرى [وول ستريت - نيويورك تايمز - واشنطن بوست - يو إس توداي] لا يتجاوز 5 مليون نسخة، بينما يطبع يوميًا من الصحف الأخرى ما يزيد عن 55 مليون نسخة. أي أن الصحف الكبرى لا تحظى بأكثر من 10% من إجمالي القراء في أي يوم. أما باقي القراء فيعتمدون على الصحف المحلية كمصدر أساس للأخبار والتحليلات والمواقف السياسية والفكرية.

لا يعني ذلك التقليل من أثر وقيمة الصحف الكبرى، فلا شك أن كثير من هذه الصحف المحلية تتأثر بالتيار الإعلامي العام الموجه من قبل الصحف الكبرى، إلا أن الاستقلالية تمثل أيضًا سمتًا رئيسًا تعتز به الكثير من هذه المؤسسات الصحفية الصغيرة نسبيًا. وتتكرر الصورة إلى حد ما في الإذاعة والبرامج الإخبارية في قنوات التلفزيون المحلية.

"إن الصحف لم تعد وسائل نقل أخبار مباشرة ودقيقة، وآراء تحريرية واضحة. لقد تحولت الصحف إلى قلاع للجبناء من الصحفيين الذين تحركهم الأهواء الفكرية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت