مأزق المثقف ( الليبرالي ) .. ! (1/2) .
د. محمد الحضيف 21/11/1424
أكثر الأسئلة جدلاً .. ربما: من هو المثقف؟
خطر هذا السؤال على بالي مرتين في الفترة الأخيرة . الأولى وأنا أقرأ كتاباً ، ترجمته ( مرهقة ) ، للمفكر الأمريكي ، الفلسطيني الأصل ، ( إدوارد سعيد ) . سعيد .. في فصل سماه ( صور المثقف ) ، من كتابه: ( الآلهة التي تفشل دائماً ) ، حاول أن يجيب على سؤال مماثل .. من خلال استقراء أراء بعض ( المثقفين ) ، أمثال الإيطالي أنطونيو غرامشي ، الذي تحدث عن ( المثقف العضوي ) .
المرّة الثانية ، التي قفز فيها السؤال إلى ذهني ، كان في مناسبات ( محلية ) . موقفان لشخصيتين ، هما الأكثر إثارة ، وربما حضوراً ، في المشهد الثقافي في المملكة . الأوّل أعلن أنه رفض التوقيع على خطاب ( إصلاحي ) ، تبنّاه عدد من المفكرين والمثقفين ، بحجة أنه يصادم ( مبادئه ) .. التي فسرها شخص مقرب منه ، على أنها موقف من الخطاب ( الإصلاحي ) ، الذي يمثل مكسباً للتيار الإسلامي .. وهو ما لا يتفق معه ذلك المثقف .. ( أيدولوجياً ) . الثاني شخصية ثقافية وأكاديمية ، شاركت في جلسات الحوار الوطني الثاني . خرج الحوار بتوصيات اتفق عليها المشاركون .. وهو أحدهم . في اللقاء الذي جمع المتحاورين بولي العهد ، تسلل ( المثقف ) الأكاديمي الكبير ، من بين الصفوف ، مستخفاً بزملائه ، وارتجل خطاباً ( أيدولوجياً ) عن الحب ( !! ) ، نسف فيه مفهوم الحوار ، وتوصيات اللقاء .. وأصول اللياقة ..!
المثقف هو المفكر ، وهو طليعة المجتمع فكرياً واجتماعياً . هو الذي يثير الأسئلة المشروعة ، ويتبنى قضايا المجتمع وهمومه .. هل يكون ( انتهازياً ) .. ؟ هل يقف مع ( الحزب ) ، أو السلطة .. ضد الأمة .. ؟ !هل ينقلب ( ميكيافيليا ) ضد فروسية المثقف ؟ تبدو العلاقة بين المثقف والسلطة ملتبسة . هناك علاقة تضاد ، وتكامل .. وعلاقة احتواء . تتوجس السلطة من المثقف المستقل ، فتجعل منه ضداً ، وخصماً .. ويصبح كل ما يصدر منه ، قابل لتأويل عكسي ، ويصير هو .. مطالب بتفسير أي موقف يقفه . وطنيته متهمّة ، وولاؤه موضع تساؤل ..!
حينما تكون العلاقة بالسلطة .. احتواءً ، يتحول ( المثقف ) إلى بوق للسلطة ، وينحدر إلى مستوى ( الأداة ) ، التي تستخدمها السلطة ، لإضفاء شكل ( أخلاقي ) على ممارسات ( لا أخلاقية ) . تحتاج السلطة المثقف ، لـ ( أنسنة ) سياساتها، تجاه الفرد والثقافة والمجتمع . تلك السياسات الموسومة بكل ما فيه انتهاك للآدمية ، وامتهان للثقافة .. إذ المثقف والثقافة ، يمثلان أعلى شكل من أشكال الفعل الإنساني .
تكامل السلطة مع المثقف ، يأخذ اتجاهين: سالب وموجب . التكامل السلبي للمثقف مع السلطة يتبدّى ، حينما يتبنى ( المثقف ) دوراً ،ضمن ترتيب معين ، يظهر من خلاله ، أنه ضد الطروحات الرسمية ، وهو في حقيقته .. وواقع الأمر ، يسعى لتكريس صورة ( نمطية ) إيجابية للسلطة.. مثل ( ديمقراطية ) السلطة .. وتسامحها، حيث تسمح له بالمعارضة .. وتعطي الرأي الآخر حق التعبير عن نفسه ، ضمن هامش محسوب . قد يتكامل المثقف إيجابياً مع السلطة .. وهذا أمر جيد، حينما يدعم توجهاتها الإيجابية ، في مسائل مثل ، صيانة الحريات ، والتحرك نحو هامش أوسع للمشاركة الشعبية ، والشفافية في التعاطي مع الشأن العام ، والتوزيع العادل للثروة ، واستقلال السلطة القضائية .. واحترام حقوق الإنسان .
انتهازية المثقف ، أفرزت تقسيمات من نوع المثقف ( المرتزق ) : كل شيء على ما يرام طال عمرك . أو المثقف ( المُسْتَلَب ) : طليعة الآخر .. المغاير ، الثقافة الخصم . أحداث سبتمبر ، كشفت عن نماذج مخيفة من هذا النوع .. الأخير ، من أولئك الذين يقومون بدور ( أبي رغال ) ، فيقودون ( الفيل ) الأمريكي ، إلى ما اعتبروه ثغرات في ( جدار ) الثقافة المحلية . التقيت بمراسل لإحدى الصحف الأمريكية ، كان يدور على بعض المثقفين والأكاديميين .. يحمل كتباً لمقررات مدرسية ، ويتحدث عن مواضيع ، وأسطر بعينها .. من بينها آيات قرآنية وأحاديث شريفة ، يزعم أنها تحرّض على الكراهية ، وتدعو للعنف . ذكر لي .. لما سألته ، أن الذي دلّه عليها ( مثقفون ) سعوديون ..!
ليبرالية المثقف المحلي .. عندما تكون ( الليبرالية ) في جوهرها ، احترام خصوصية الآخر .. هل هي حقيقة..؟ حين يكون ( الليبرالي ) في ( خندق ) الأجنبي ، ضد الثقافة ( الوطنية ) .. بسبب موقف أيديولوجي .. ! أو حينما يمارس ازدواجية فجة في معاييره (الليبرالية) : الديمقراطية، والإصلاح الدستوري.. جيدة، شرط ألا يستفيد منها التيار الإسلامي .. والتحالف مع السلطة القمعية ، والنظم الدكتاتورية مبرّر إذا كان الخصم هو الإسلام
المثقف الإسلامي .. ما علاقته بالسلطة ..؟