الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا، وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتدارا، وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذاراً منه وإنذارا، فأتم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة، وأقام بهم على من خالف منهجهم حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع المعاذير، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ } وأرسل رسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فقبل نعمة الهداية، من سبقت له سابقة السعادة، وتلقاها بيمين، وردها من غلبت عليه الشقاوة، ولم يرفع بها رأساً بين العالمين، فسبحان من أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة. أحمده والتوفيق للحمد من مننه، وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه، وأستغفره وأتوب إليه، من الذنوب التي توجب زوال نعمه، وحلول نقمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمةً قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للناس أجمعين، ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، مشمراً في ذات الله تعالى، لا يرده عنه راد، فلم يزل يصده عنه صاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الأرض نوراً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فصلى الله وملائكته والصالحون من عباده عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد.
عباد الله:
لقد جاء الإسلام إلى هذه المعمورة، والشرك قد خيم، والجهل قد استحكم، والمجتمعات يسودها الفوضى، والناس يظلم بعضهم بعضاً، جاء الإسلام ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ناسخاً للأديان كلها، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً} مقرراً أنه لا دين حق إلا هو {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ؛ ذلك لأنه دين الكمال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ففيه العقائد الفطرية، التي يوافقها العقل الصحيح، وتسمو بالإنسان عن الخضوع والعبودية لغير خالقه ورازقه، ومالك ضره ونفعه، وموته وحياته، فلا إله غيره ولا رب سواه. وفي الإسلام جماع الأخلاق الفاضلة، التي تهذب النفوس، وتطهرها من كل دنس، فلا يستطيع أحد مهما بلغ علمه، وعظم أمره، أن يجد فيها مطعنا، ينفس فيها عن حقده وضغنه، إلا ارتد عليه سهمه، وأصاب كيده نحره
كناطح صخرة يوماً ليوهنها … فلم يضرها وأوها قرنه الوعل
عباد الله:
إن أهل العقل والعلم، ليسوا بمغرورين ولا مبالغين، في تصور أن وراء كل حدث مؤامرة، ولا من المتوهمين أن خلف كل حديث تآمرة. ولكنهم في الوقت ذاته لن يكونوا من أولئك الذين يسلمون القياد، ويرخون الزمام، لتقودهم أفكار فاسدة، أو تضلهم دعوات ماكرة، أو يسيروا خلف كل ناعقة. وأعداء الإسلام يستغلون كل حدث، ليوظفوه في إصابة الأمة في مقتل. ومن ذلك ما يكاد للمرأة في كل وقت وحين، وفي كل مناسبة وحادثة، وإن المستعرض لهذه القضية، يجد بدايتها على أيدي غير المسلمين،الذين خططوا في خفاء، ونفذوا في دهاء، وجندوا من أبناء هذه الأمة، من فقد اعتزازه بعقيدته، وتمسكه بدينه، وانتماءه لأمته، فصنعوا منهم أبطالاً، وخلعوا عليهم ألقاباً، ليخدعوا بهم المغفلين، ويفتنوا بأقوالهم الجاهلين، ويصدوا بهم الناس عن هذا الدين.
ألقاب مملكة في غير موضعها … كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد