فهرس الكتاب

الصفحة 10259 من 27364

"العلمانيّة الأدبيّة"ضرورة أم اختراق ثقافيّ؟

عباس المناصرة 20/7/1425

مقدمة

نشأت الآداب الأوروبيّة متأثرة بالعقل الفلسفيّ الذي أبدعها وأفرزها، فهي تحمل نكهة البيئة التي خرجت منها، ولذلك فهي تمثل خصوصيّة البيئة والثقافة واللغة والعقل الذي أنتجها ضمن بيئات أوروبا المختلفة، التي يجمعها التراث المشترك للعقل الفلسفيّ، بالإضافة إلى النّكَهَات المحليّة لتلك البيئات.

وحركة التطوّر والتجديد فيها لا تستقر على حال، لأنّ التطور المستمر الذي تقلبه الأدواء والمصالح والأحوال، هو ديدن العقل الفلسفيّ الملول المتقلّب، الذي تحركه عقيدة الحرّية المطلقة، فما أنْ تظهر حركة فنيّة أو فلسفة أو مذهب أدبّي على يد فرد أو مجموعة من المبدعين، وقبل أن تستقر أحوالها، حتى تكون مجموعة أخرى قد استعدّت لها بالمرصاد، لتكشف لها نواقصها وعوراتها، إنها فلسفات ومذاهب تُطارد بعضها كالرّمال المتحرّكة.

أما الحركة النّقدية فلم تكن بعيدة ولا منفصلة عن مرجعيّتها الثقافيّة السابقة، بل شكلت هذه المرجعيات الرؤية الفكريّة للمذاهب الفنيّة والأدبيّة والنقديّة، ويمكن إعادة التنظير النقديّ في أصوله الفلسفيّة والفنيّة إلى مصدرين رئيسين هما:

1-مصدر فكري: يعود إلى مجموع فلسفات العقل الأوروبّي، التي شكلت مرجعيّة تراكميّة من هذه الفلسفات، اجتمعت خلاصتها في العلمانيّة الحديثة التي تدور حول ( نفي الثوابت والحرية المطلقة للإنسان في النواحي الفرديّة والإبداعيّة جمالياً وفنياً، والتقلّب ا لمستمر الذي لا يستقر على حال) .

2-مصدر أدبي: وهي النصوص الأدبيّة والإبداعيّة من شعر ومسرح ورواية وغيره، حيث يتم استخراج المذاهب الأدبيّة والنقديّة من متابعة النص في تكوينه وتطوّره، ومن الموحِيات السابقة لفكر العقل الفلسفيّ.

2-هل النقد الأوروبي عالميٌّ ومُلزِم للأمم؟

مما سبق تبين لنا أنّ النقد الأوروبّي نشأ في بيئة ثقافية لها مرجعيّتها (الفكريّة والأدبيّة) ونظرياته تحمل رؤية النقاد الأوروبيين المستخلصة من (الفلسفة والنص الأدبيّ) وهي تحمل تجارب الأوروبي في واقعة اليومي الجغرافي واللّغوي والفكريّ والفني، ولذلك فهو نقد محلي يجمل نكْهة البيئة التي وُلد فيها، وهو نقد له خصوصيّة وتاريخ وظروف وتجارب، تجمعه ثقافة لها همومها وفروقها وقواسمها المشتركة المخالفة للبيئات العالميّة.

وهذا معناه أنّه ليس نقداً عالمياً، ولا مُلزماً للأمم الأخرى، لأنّ الأمم تتباين في مرجعيتها الفكريّة وفي نصوصها الإبداعيّة وأذواقها الفنيّة وتجاربها الحضاريّة.

إذن ما هو سبب هذا الوهم الذي أوجد في عقولنا أنّ التجرِبة الأوروبيّة في الآداب هي حالة دائمة وعالميّة، ولا مَناص من قبولها وغير ذلك من الذّيول؟!

مع أن ّهناك تجارب أدبيةً ونقديةً أخرى، لشعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لم ينظر لها بهذا المنظار، لماذا صوروا لنا النقد الأوروبي كأنه قدر محتوم، لا بد من قبوله؟ وأوقعونا في فخّ الانبهار به، والخضوع له، ووصفوا نظرياته بأنها عالمية، وقابلها على الجانب الآخر هجوم رُمِيت فيه ثقافتنا بالضّحالة والضّعف والانتحال، أو أثير في وجهها عاصفة من الأسئلة الماكرة، طمسًا للحقائق أو الترويج لأفكار معينة، أو تضخيما لأفكار أخرى أو إنكارا أو سخرية أو… .

ولقد زال العجب عندما عرفنا أنّ جيشاً من المستشرقين، وجيشاً من تلاميذهم من المغربين، كانوا يمهدون الطريق لثقافة المستعمر، جنباً إلى جنب مع جيوشه العسكريّة، نعم كان سبب ذلك أنّ الثقافة الأوروبيّة ومنها الثقافة النقديّة دخلت إلينا تحت حِراب الاستعمار وحمايته.

وإذا عرفنا أنّ العقل الفلسفيّ الأوروبّي لا يؤمن بنظرية (التعارف البشريّ) الإسلاميّة ومعارضها التي ذكرنا، ولكنّه يؤمن بتذويب الآخرين ويستعمل (القوّة والقسر والتخطيط والخديعة) في إذابة خصائص الأمم الأخرى وإخضاعها، إنّها ليست تبادلاً حضارياً، ولكنها عملية أشبه بعملية التذويب الكيميائي.

وهكذا وصل إلينا النقد الأوروبي عن طريق الترويض الثقافي؛ لأنه ثقافة إجباريّة أدخلت إلينا حين مارسنا الانفتاح مرغمين ومجبرين، استقبلناها بعمى المبهور ونفسية المغلوب على أمره.

هذا من جانب ( ومن جانب آخر لا ننسى أن العلوم التجريبية، لا يوجد فيها علم كيمياء أمريكي، وآخر ياباني، وآخر عربي، وكذلك الأمر في علم الفيزياء لا يوجد علم فيزياء إسلامي وآخر مسيحي وآخر يهودي؛ لأنّ حقائق المادة تلوي عنق المؤمن والكافر للإيمان بها، فحالات المادة: الصلابة والسيولة والغازيّة لا تجامل أحداً، ولذلك نخضع لحقائقها حتى تتعلم وتستفيد منها) فهي علوم عالميّة تصدر وتستورد ،وهي ميراث عالمي لجميع الأمم، رغم أنها لا تخلو خلال صياغتها من التأثير الفكري لمن صاغها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت