إدريس الكنبوري 20/1/1426
لا ندري أي منطق ذاك الذي بات يتحكم في السياسات العربية ويوجهها حالياً، حتى إن أي محاولة للبحث عن هذا المنطق أصبحت نوعاً من المجازفة في وقت لم تعد فيه السياسات العربية تنضبط لمنطق معين، هذا إذا كان لها منطق معين في السابق.
المتأمل في الأحداث التي تجري في الوقت الراهن في المسرح العربي سوف يُفاجأ بأن الأمور لم تعد مسثقرة، ولا أحد بإمكانه التكهن بسيناريوهات المرحلة القادمة، أقله بسبب افتقاد القرار السياسي العربي لبوصلة يهتدي بها. لكن الذي يلوح في المشهد العربي الحالك هو أن هناك حالة استتبت وأصبحت مُعطًى بديهياً، وهي حالة ماضية في التكريس بحكم التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي لا يمسك العرب بواحد من أزِمّتها، باعتباره الحالة التي أصبحت ممكنة للتعاطي مع هذه التطورات.
هذه الحالة السياسية الجديدة هي انكماش كل قطر عربي حول ذاته، وتحوّل العرب إلى جزر صغيرة معزولة يتم الاستفراد بها واحدة بعد الأخرى، الأمر الذي ولّد نوعاً من التسابق على دخول القفص دخولاً"استباقياً"، كعربون على"حسن"التعاطي مع التطورات العالمية الجديدة التي تقودها وترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، وتجنباً لأي مواجهة محتملة مع العرّاب الأمريكي.
الغريب أن كل ما يحدث في المنطقة العربية، تعاطياً مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل، يكاد يكشف غموض المواقف العربية بشأن المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي في المنطقة، بل يكاد يقود إلى خلاصة من احتمالين، إما أن هناك جهلاً عربياً مخيفاً بهذا المشروع الخطير الذي يستهدف المنطقة وشعوبها في النفس والماء والكلأ، أو أن هناك مسايرة له بإرادة واعية تخوفاً من العواقب، وفي الحالتين نبقى أمام نفس النتيجة، وهو أن الاستهداف قائم والمرحلة ماضية نحو توزيع جديد للمنطقة بالمسطرة والبيكار.
لقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تسويق نتائج مؤتمر قمة شرم الشيخ في الشهر الماضي على أساس أنها بداية حلحلة الموقف الإسرائيلي من الفلسطينيين، وانطلق العرب يبتهجون بهذا المنتوج الأمريكي ـ الإسرائيلي الذي لم يقدم في واقع الأمر للفلسطينيين شيئاً قدر ما زاد في إضافة المزيد من الأغلال التي تقيّدهم، وأراد أن يجعل من السلطة الوطنية الفلسطينية موظفا أمنياً تابعا لوزارة الأمن الإسرائيلي، فيما ظلت التوابث الإسرائيلية غير منقوصة، وتشير التقارير الأخيرة إلى أن الاستيطان تزايد بوتيرة أسرع كحيلة إسرائيلية لإيجاد حقائق جديدة على الأرض تدفع الفلسطينيين إلى تقديم المزيد من التنازلات، كما لا تزال التحفظات الأربعة عشر التي أعلنها أرييل شارون بشأن ورقة خريطة الطريق دون تعديل، بل إن الاتجاه الحالي يسير ناحية شطبها أصلاً، إذ كان الدافع إليها في حينها من جانب الإدارة الأمريكية هو الإيحاء للاتحاد الأوروبي وروسيا بأن لهما دوراً في الشرق الأوسط، ولم يكن خروجاً عن التقليد الفعلي الذي ترسخ في العقود الماضية، والذي يقضي باستبعاد أي دور أوروبي إلى جانب الوكيل الأمريكي، كما أن إسرائيل لم تقبل أبداً التدخل الأوروبي في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، بل إن شارون صرح بذلك علناً قبل أشهر، ولذا فقد ولدت الورقة لكي تموت.
وخطورة الأمر أن العرب ابتلعوا الطعم بسهولة، وانطلت عليهم التصريحات الأمريكية والإسرائيلية، فانتشرت حمى التطبيع من المحيط إلى الخليج تحت وهم أن هناك مرحلة جديدة ترتسم معالمها في المنطقة والعالم، ناسين أن إسرائيل لم تعطِ شيئاً في الماضي لكي يتأكد أنها سوف تعطي الآن أو في الغد، وأن أولى البراهين على عدم رغبتها في تحقيق سلام ـ حتى بمفهومه الأمريكي ـ أنها ترفض وضع دستور للدولة يعين حدودها باعتراف دولي.
في الحوار الذي أجرته يومية"الأهرام"المصرية يوم 19 فبراير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بدا أن هناك توجهاً جديداً بدأ يلوح في سماء المنطقة العربية. فلا يمكن الجزم بأن ما قامت به الجريدة كان اختياراً داخلياً، لأن"الأهرام"معروفة بقربها من دائرة القرار المصري، وكثير من الاختيارات السياسية الرسمية يجري التعبير عنها من خلال افتتاحيات الصحيفة قبل صدورها أو بعده للدفاع عنها وتسويغها. وفي مراكز القرار في إسرائيل استقبل إجراء الحوار في واحدة من كبريات الصحف العربية الرسمية على أنه انتصار إسرائيلي، والبعض تحدّث عن اختراق إسرائيلي للموقف العربي من الدولة الصهيونية، كما أننا نعتقد أن شارون نفسه كان يدرك ماذا يريد عبر الحوار ولمن كان يتوجه. وفي الأسبوع الماضي أعاد شارون توجيه الدعوة مجدداً للرئيس المصري حسني مبارك لزيارة إسرائيل، بعد المرة الأولى في لقاء شرم الشيخ.