عبد العزيز بن ناصر الجُلَيّل
لا يخفى ما تمر به بلدان المسلمين من تغيرات خطيرة وسريعة؛ وذلك ضمن مخطط إفسادي كبير على العقيدة، والشريعة، والأخلاق، والمرأة، والاقتصاد؛ ظهرت بعض آثاره اليوم على حياة الناس في بيوتهم، ومدارسهم، ومجتمعاتهم، وأموالهم، وأخلاقهم، وبعضها في الطريق إلى التنفيذ.
ومشاركة مع إخواني الدعاة الذين أقلقهم هذا الخطر وراحوا يبحثون عن كل ما من شأنه مدافعته وصده عن المسلمين أكتب هذه الخواطر السريعة التي كانت محل تفكير وحوار، والتي أحسبها تسهم في إيجاد مشروع تحصيني وقائي لأسرنا ومجتمعاتنا أمام هذا الخطر الداهم، أسأل الله - عزوجل- أن يلهمنا صحة الفهم وحسن القصد.
فأقول وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم:
يقول الله - تبارك وتعالى-: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] ، ويقول- عز وجل -: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] ، ويقول - سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . [آل عمران: 104]
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعقاب» .
وإنفاذًا لهذه التوجيهات الإلهية والنبوية يجب على أهل الغيرة والإصلاح أن ينفروا لمدافعة هذه المخططات الإفسادية وصدها عن المسلمين قدر المستطاع، وأرى أن تتم هذه المدافعة عبر جبهتين رئيستين:
الجبهة الأولى: الاحتساب:
ويكون ذلك بالإنكار المباشر لمظاهر الفساد منذ بدايتها أو السماع بالتخطيط لها؛ وذلك بمناصحة الأشخاص المنظِّرين أو المنفذين لها، والإنكار عليهم شفاهًا، ومكاتبة؛ ومخاطبة أهل الحل والعقد في البلد وإظهار الامتعاض والإنكار؛ وهذا أمر يجب أن ينفر له طائفة معينة وهم أهل العلم من المشائخ والقضاة وطلبة العلم والوجهاء. وذلك يتطلب تعاونًا وتشاورًا بين أهل العلم في كل مدينة، وأن يكون هناك مجالس وتوزيع للأدوار والجهود. كما يتطلب جهات مساندة تهيئ لهم المعلومات والوثائق وحصر ما يجدُّ من منكرات ومعلومات وترتيبها وتنظيمها، وأحسب أن هذه الجبهة قائمة الآن ولا تزال في مراحلها الأولى ولكنها بحمد الله ـ - تعالى -ـ في تطور وتوسع.
الجبهة الثانية: التحصين والوقاية للمجتمع من الفساد:
وأحسب أنه لا زال هناك تقصير شديد في هذه الجبهة مع أن الثمار المرجوة منها كثيرة جدًا، واستجابة الناس لها كبيرة والحمد لله. ولا يعني هذا التقليل من جهود القائمين ـ حاشا لله ـ فهم تاج الرؤوس، وأعمالهم لن تضيع عند الله - عز وجل - إن شاء الله - تعالى -، وحسبهم أن يفوزوا بالأعذار عند ربهم ـ إن شاء الله - تعالى - وإبراء الذمة إذا حوسبت الذمم، مع ما تثمره جهودهم من مراغمة أهل الفساد، والتخفيف أو التأخير لبعض المنكرات، وإنما المقصود أن لا تُنسى جبهة التحصين والوقاية التي قد تكون أكثر ثمرة وآثارًا؛ وبخاصة أن المتحركين من المصلحين في الجبهة الثانية يمتلكون وسائل كثيرة ومجالات متعددة في مخاطبة الناس وتحذيرهم وتحصينهم لا يملكها غيرهم، ولو وظفت التوظيف الصحيح وتضافر الغيورون والمصلحون في تنفيذها، وتوزعت الأدوار فيها لكان لها نتائج باهرة تحبط على المفسدين أهدافهم وترد كيدهم في نحورهم.
وفي هذه الورقة بعض المقترحات في تفعيل دور هذه الجبهة وكيفية الاستفادة من الوسائل الكبيرة المتاحة في مخاطبة المجتمع وتوجيه الناس.
ومن نافلة القول أن نشبه سيل الفساد المسلط على مجتمعات المسلمين وتنوع الناس في مقاومته بسيل جارف ينتهي إلى إغراق أراضٍ وعمران ودور؛ وأصحابها يعلمون أنه سيخرِّب دورهم ومزارعهم وأموالهم، فانقسموا إلى فرقتين:
الأولى: فرقة رأت أن لا خلاص من خطر هذا السيل إلا بأن يهب الجميع في قطعه من منبعه وأصله، فلم يتمكنوا من قطعه ومنعه، وأبت طبيعة السيل وقوته عليهم ذلك؛ فكلما سدوه من موضع نبع من موضع آخر، وانشغل أهل القرية بشأن هذا الوادي عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار وتحصين البيوت. ويمكن أن يكون في عمل هذه الفرقة تخفيف لشدة السيل أو سد لبعض منابعه، لكن لا يمنعه عن بيوت الناس وممتلكاتهم.