أخواتي الكريمات: حديثنا اليوم إليكن حديث قديم جديد مألوف متكرر أنه مساحة للحوار وفرصة للتشاجي والتشاكي حول قضية من أصخم القضايا المطروحة على الساحة الفكرية، ألا وهي المرأة. خاض فيها من خاض وبحث فيها من بحث وقال فيها من قال بحق حينا وبباطل أحياناً أخرى وادعى إنصاف المرأة وتباكى على حقوقها الضائعة المسلوبة زعموا بدموع التماسيح طائفة من الأقلام تطوعوا للدفاع عن قضيتها أعني المرأة تطوع الفضولي الذي لم يفوض وإن شت قلت كتيبة من الكتاب المجندين من عملاء الفساد والتخريب {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} . والجميل هذه المرة والرائع في هذا البحث والحوار أن الذي يناقش قضية المرأة هي المرأة نفسها، هي تعرب عما في نفسها وتتحدث عما في خاطرها دون وصي أو ولي فتعالين: نتعرف على البداية وما هي قضية هذه المعركة! هكذا صورت معركة هي حقا معركة سلاحها الأقلام والأفهام ووقودها النساء والمداد وساحتها جبهة عريضة من وسائل الإعلام بشتى صورها وأنماطها وإن كان هذا الاستعراض غير مطلوب مني وقد يتداخل في المساحة المقررة لأخريات ولكنها مقدمة لا بد منها فلتحتملنها ولو على مضض.
أولاً وقبل كل شيء: لنعرف أن الحضارة التي يدعى إليها في هذا العصر حضارة غربية وإن شئت قلت حضارة إباحية كافرة، حضارة أجنبية يهودية ونصرانية شاء ما شاء وأبى من أبى حقا إن الحضارة الآن تكتب من الشمال كما يقولون. ومع ذلك الانفجار العلمي والتقني الهائل الذي بهر العقول بمنجزاته وصناعاته والذي يحمل الماركة الغربية التي شع منها شعاع الحضارة المادي المعاصر، مع ذلك كله طفح على الساحة فيض من الأفكار المنجرفة المنحرفة والتي أرادت أن تتعامل مع الإنسان ومنه المرأة كما تتعامل مع الآلة تماما وأرادت أن تخضع قيمة وأخلاقه بل وعقائده للتجارب كما تخضع عناصر المادة لذلك في المعامل والمختبرات ومع استيراد الآلات والمصانع من الغرب للشرق وردت أو استوردت أخلاق غريبة عجيبة في الإنسان والكون والحياة بهر الشرق بها كما بهر بالمنجزات الغربية واعتبرت مسلمات ثبوتية لا تقبل النقاش ويكفي لكثير من الناس في الشرق المهزوم مبرراً لصحتها إنها وردت من الغرب وهبت معها رياح التغيير. ولئن كان للتمرد على الدين والقيم في الغرب إبان التحول من القرون الوسطى وعصور الظلمات إلى العصر الصناعي والثورة العلمية ما يفسره ولا يبرره أقول يفسره ولا يبرره، فهل يوجد في شريعة الإسلام وبلاد المسلمين مثل ذلك اليوم.
أخواتي الكريمات:
إن الكنيسة الغربية النصرانية خرجت على الناس في العصور الوسطى بنظريات أبعد ما تكون عن روح الشريعة ونقاء العقيدة في الكون والحياة والإنسان نظريات في الوجود تصادم الحقائق العلمية الثابتة ونظريات في الكون تصادم المحسوس والملموس ونظريات في الإنسان والمرأة بالذات تعارض الفطرة والدين مثل الأساقفة والكرادلة والبابوات والأباطرة هل المرأة لها روح أم لا؟ هل هي كائن شيطاني أم إنساني؟ هل وهل؟؟ إلى غير ذلك من النظريات التي أصيخت بها الأسماع وشغلت بها الساحات الفكرية وامتحنت بها العقول على طريقة الجدل البيزنطي المشهور. هل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة، وأيهما كان أولاً، والويل كل الويل لمن كذب أو يرتاب فصكوك الحرمان والمقاصل جاهزة معدة وكلها تحت رواق الكنيسة رمز الدين والإيمان ومع إشراقة شمس الحضارة الإسلامية على العالم ومنه على أوروبا الغارقة في ذلك الوقت في غياهب الجهل والخرافة والتزمت استيقظت أوروبا وكان العالم في الظهيرة وحان في ذلك تنفس عظيم لمجموعات البحث والكشف العلمي المضطهدة والتي كنت تتململ في قمقمها وأكتشف الناس كذب وزيف هذه النظريات بانبلاج شمس الحضارة (وشمس الحقيقة تحرق المغالطات) . فثار الناس في أوروبا على الكنيسة والبابوات والأباطرة المتواطئين معهم لتقاطع المصالح وتلافيها بينهم، ثاروا ثورة عارمة على الدين كله فكانت (العلمانية) فصل الدين عن الدولة في المدنية الحديثة، ثاروا على الكنيسة التي حرمت العلم الصحيح والتفكير السليم التي ظلمت المرأة وتتبعتها بالحرب والإبادة بحجة أنها عنصر شرير فاسد.
أقول مجدداً: أخواتي الكريمات إن كان لهذه المعركة في قضية الكون والحياة والوجود ما يفسرها في عالم الغرب فهل يوجد هذا في عالم الشرق إن كان لهذه الثورة على الكنيسة ما يعلله فهل يوجد لحرب المسجد من مبرر إن كان لإعلان الثورة على النصرانية أسباب فهل يوجد سبب واحد لإعلان الحرب على دين الإسلام. أخواتي: هكذا أردت أن أرجع بكن إلى الوراء لتتبع فلول القضية وجمع شتاتها حتى لا تفهم مبتورة مجردة أنها قضية ضخمة كبيرة خطيرة ليست قضية خاصة بالمرأة وحدها.