فهرس الكتاب
بقلم الأخ فتى الأدغال
لن تجدَ أضلَّ وأتعسَ وأشقى من القومِ الذين يدّعونَ العقلنةَ ، وهم في دواخلِهم من دعاةِ التغريبِ ، وبوّاباتِ الفكرِ العلمانيِّ ، بل هم حماتهُ ومنظّروهُ ، وميناؤهُ الذي ينقلُ أولئكَ عبرهُ بضائعهم .
هؤلاءِ - العقلانيينَ - ليسَ لديهم من العقلِ إلا ما يوجبُ قيامَ الحُجّةِ عليهم ، ولا من الفهمِ إلا ما تستقرُّ بهِ لوازمُ الشريعةِ في رِقابِهم ، أوتوا حظّاً من الجلادةِ والصبرِ ، فصرفوها في مُحاربةِ دينِ اللهِ وسنّةِ رسولهِ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - ، فغدتْ بلادةً وجهلاً .
أبغوني عقلانيّاً فتحَ للنّاس ِ بابَ الدخولِ إلى الإسلامِ ، أو خدمَ دينَ اللهِ تعالى ، أو ازدادَ إيماناً وسكينةً ووقاراً وثباتاً ، بعدَ أن تعقلنَ وتعصرنَ ! ، كلّهم ينكصونَ على أعقابِهم ويرتكسونَ وينتكسونَ ، بعدَ أن كانوا أربابَ صلواتٍ وخلواتٍ ، وبدلاً من تقريبِ النّاسِ إلى دينِ اللهِ - تباركَ وتعالى - يأخذونهم إلى أقاصي الأفكارِ ، ومهاوي التأويلاتِ ، فيُدنونهم من الشبهِ والباطلِ ، ويتركونهُم في حالةٍ من الحيرةِ والتخبّطِ ، ويفتحونَ لهُم بابَ الرّدِّةِ والكفرِ ، ويهوّنونَ عليهم أمرَ المعاصي والمُنكراتِ .
وبعدَ اللّحى الوقورةِ ، والثيابِ المُستنّةِ ، ومسحةِ العِبادةِ ، ومظهرِ الخيرِ ، وإدمانِ النوافلِ ، يستبدلونَ ذلكَ بالحلقِ والتنعيمِ والإسبالِ ومظاهرِ النكوصِ على السنّةِ ، وتعودُ ليالي العبادةِ سهراً على الباطلِ ، وتزدانُ المجالسُ بذكرِ الأسماءِ الأعجميّةِ والفكرِ الوافدِ ، ولا تجدُ في قاموسِهم موضعاً للسنّةِ والقرءانِ ، فقد صارا للذّكرى والبركةِ .
تفٍّ على هكذا فكرٍ .
وتعساً لهم ، ما أضلَّ أعمالَهم وأشقاهم ! .
من قبلُ: عندما كفرَ إسماعيلُ بنُ أدهمَ كفرةً صلعاءَ ، وخرجَ من الدينِ من أوسعِ أبوابهِ ، تمنطقَ بالعقلِ والعقلانيّةِ فأعلنَ الإلحادَ ، فجاءهُ من اللهِ - تباركَ وتعالى - ما لم يكنْ في حُسبانهِ ، ورماهُ بالحيرةِ والقلقِ والاضطرابِ ، فلم يُطقْ على نكالِ اللهِ في الدّنيا صبراً ، وانتحرَ مُغرقاً لنفسهِ في مياهِ البحرِ الأبيضِ المتوسّطِ ، وفي جيبِ معطفهِ ورقةٌ يُطالبُ فيها أهلهُ بعدمِ دفنهِ مع المسلمينَ ، وبحرقِ جُثّتهِ ، وأنّهُ انتحرَ يأساً من الدّنيا .
وهذا عليُّ بنُ عبدِ الرازقِ ، ذلكَ الشيخُ المُعمّمُ الأزهريُّ الضالُّ ، الذي تبنّى - عاملهُ اللهُ بما يستحقُّ - كتابَ"الإسلامِ وأصولِ الحكمِ"، ووضعَ اسمهُ عليهِ ، وصرّحَ فيهِ بأنَّ الإسلامَ لا علاقةَ لهُ بالحكمِ ، وقرّرَ العلمانيّةَ وأصّلَ لها بما ظنّهُ أدلّةً شرعيّةً ، فانبرى لهُ أسْدُ اللهِ من جهابذةِ أهلِ العلمِ ، وفنّدوا شُبههُ ، وكسروا حُججهُ ، حتّى آواهُ المبيتُ بعدَ فترةٍ من عمرهِ إلى القلقِ والخوفِ ، فصرّحَ - كما نقلَ أنورُ الجُنديُّ - بأنَّ لعنةَ كِتابِ"الإسلامِ وأصولِ الحكمِ"قد أدركتهُ ، وأمرَ بعدمِ طِباعتهِ .
وهذا فهدٌ العسكرُ ، شاعرٌ ماجنٌ هالكٌ ، بدأ مؤذناً فإماماً في الكويتِ ، ثُمَّ قرأ في كتبِ التوسعةِ الفكريّةِ ، وفتحَ لنفسهِ آفاقَ الحرّيةِ العقليّةِ ، فدعاهُ ذلكَ إلى الحيرةِ والقلقِ والشكِّ ، ولم يُطقْ على ذلكَ صبراً ، فشربَ الخمرةَ ، ورافقَ البغايا واتخذهنَّ أخداناً ، بعدَ أن كانَ القرءانُ سميرهُ وأنيسهُ ، حتّى عميَ بصرهُ لفرطِ شُربهِ للخمرِ بعدَ أن عميَ قلبهُ ، وصرّحَ بالكفرِ والتشكّكِ في شعرهِ ، فماتَ خاسئاً في أحدِ المشافي ، ولم يُصلِّ عليهِ أهلهُ لكفرهِ .
وأمّا من نحنُ بصددهِ ، فهو رجلٌ سلكَ ومشى على طريقةِ العقلانيينَ حذوَ القذّةِ بالقذّةِ ، وانتحلَ منهجهم ، وعظّمَ رجالهم ، وكتبَ وغامرَ وزاحمَ ، فأتى بما لم تستطعهُ الأوائلُ ، ولكنْ خزياً وعاراً .
إنّهُ محمود أبو ريّة .
ذلكَ المصريُّ الكاتبُ في مجلّةِ الرسالةِ ، والذي بدأ حياتهُ مُتسكّعاً على شيخِ الأدبِ وإمامهِ: مُصطفى صادق الرافعيِّ ، يقتاتُ على فتاتِ مائدتهِ ، ويستطعمهُ الفائدةَ ويستجديهِ المسائلَ ، ويغترفُ بقايا معينهِ ، حتّى أدّاهُ ذلكَ إلى أنْ صارَ شيئاً يُشارُ إليهِ بالبنانِ ! .
ثُمَّ دخلَ عالمَ التصنيفِ ، وكانَ مُبتدأُ أمرهِ تلخيصَ الكُتبِ واختصارها ، فاختصرَ منها جملةً ككتابِ"المثلِ السائرِ"و"ديوانِ المعاني"واختارَ نُخبةً من أخبارِ"الأغاني"وغيرِها ، حتّى انتهى إلى التأليفِ والتصنيفِ الخاصِّ بهِ .