فهرس الكتاب
ولقد سبق أن أشرتُ إلى التقارب الفكرى في الموضوع الذى نتناوله الآن بين طه حسين وسلامة موسى النصرانى، فأُحِبّ أن أقف برهة عند هذه النقطة لإلقاء بعض الضوء عليها: فسلامة موسى كان يدعو بكل قواه إلى أن ننسلخ، كما يقول، عن آسيويتنا ونلتحق بأوربا (الله يخرب بيت أوربا والذين نفضوها رغم تسليمنا بأنها أقوى منا في هذه المرحلة البائسة من تاريخنا، وأكثر تقدما في مجال العلوم الطبيعية وما يتصل بها، وأحسن إنتاجا واختراعا وتنظيما وصبرا، لكننا ندرك أيضا أنها ملحدة وتأكل الخنزير وتشرب الخمر وتزنى وتلوط وتساحق وتكره ديننا ورسولنا وربنا، وتبغضنا نحن أيضا وتريد استذلالنا، لا بل هى تستذلنا فعلا وتستذل شعوب الأرض قاطبة وتسرقهم وتستغلهم، وكأن ما سرقته منهم وما أنزلته بهم من عسف وتدمير وتقتيل وانتهاك للأعراض والحريات والكرامات على مدى قرون لم يكفها، فهى كجهنم لا تشبع أبدا ولا ترتوى بل تظل تطلب المزيد والمزيد، ومن ثم لا يمكن أن تكون هى المثال المُرْتَجَى) . وكلام سلامة موسى معناه، بالبلدى وبالعربى الفصيح معا، أنه يحرّضنا على كراهية الإسلام والتخلص منه ونبذه، فهو المقصود بقوله إنه"يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوربا". بل إنه، كصاحبه طه حسين، يهاجم النزعة الشرقية التى يعدّها مرضًا ينبغى أن نتداوى منه فلا ندرس الأدب العربى ولا نهتم بالتاريخ العربى ولا ندين بالدين الذى أتانا به النبى العربى ولا نلبس إلا ما يلبس الأوربيون. وفى محاولته نَفْىَ شرقيتنا نراه يضرب الأمثلة من بلاد الشرق الأقصى كما فعل طه حسين، ذاكرًا أندونيسيا والهند والصين، يقصد المسلمين بالذات من أهل تلك البلاد! وكطه حسين أيضا يهاجم سلامة موسى الدين (الإسلامى طبعا، وهل هناك دينٌ غيره مطلوبةٌ رقبتُه؟) ملحًّا على وجوب نَفْيه جملة وتفصيلا من حياتنا. وبالمثل ينادى بالابتعاد في سياستنا وحكومتنا عن الرابطة الإسلامية واللغوية رافعًا صوتَه في تحدٍّ ما بعده من تحدٍّ بأن"الجامعة الدينية وقاحة". كما يوصى بوجوب إبعاد الأزهريين عن ميدان التدريس وقَصْره على الذين تعلموا تعليما مدنيا، بالضبط مثلما سمعنا طه حسين ينادى بذلك ويراه هو السبيل الوحيد أمامنا للخروج من التخلف واللحاق بأوربا والفوز برضا الأوربيين عنا، وكأنه الرضا الإلهى الذى إن حُرِمْناه سنَصْلَى قاع الجحيم! ورغم هذا فلا يفوت موسى أن يلاحظ، كما لاحظ طه حسين، أن الأوربيين يحتقروننا ويتبرأون منا، وإن أكد أننا نستحق هذا الاحتقار، وأننا بكراهيتنا لهم إنما نظلمهم ظلمًا بيّنًا لا معنى ولا مسوّغ له. ومع ذلك يحاول أن يخدعنا عن أنفسنا وعقولنا وكرامتنا فيقول إننا أوربيون تاريخًا وتشريحًا: أفلسنا قد عشنا تحت الحكم الرومانى دهرا طويلا، كما أن هيئة وجوهنا تشبه هيئة الوجه الأوربى، فضلا عن أن هناك مئات الألفاظ المشتركة بين الإنجليزية والمصرية القديمة؟ فماذا نريد أكثر من ذلك؟ وهذا كله وغيره من الخبل الفكرى والحقد الدينى المتأجج يجده القارئ في كتابه:"اليوم والغد"، الذى صدر سنة 1927م، فكان بمثابة دكّ الأرض وتجريفها أمام طه حسين ليقوم هذا بعد ذلك بسفلتتها! وقد تناول د. محمد محمد حسين، رحمه الله رحمة واسعة، ذلك الموضوع بالتفصيل في كتابه القيِّم:"الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر" (2/221- 228) .
والآن ألا يلاحظ القارئ أن كل ما نادى به طه حسين هو هو نفسه ما تدعو إليه أمريكا وأوربا هذه الأيام من وجوب تغيير المناهج المدرسية في بلاد المسلمين وإبعادها عن مجال التأثير الدينى، وربط العالم العربى والإسلامى بأمريكا وأوربا ربط التبعية والذلة والاستعباد تحت دعاوى العولمة، ورمى المتدينين بالتخلف والإرهاب والعجز عن فهم لغة العصر وملاحقة أوضاعه، وتصوير أسلوب الحياة الغربى على أنه الأسلوب الأمثل الذى لا سبيل أمام المسلمين سواه إن أرادوا أن يتقدموا ويتحضروا بما في ذلك إباحة اللواط والسحاق وتقنين زواج المثليين؟ ألا يلاحظ القارئ أن تلامذة طه حسين وحَوَارِيِّيه ومن يُرَافِئونه على آرائه ومواقفه وبغضه للإسلام هم الذين في أيديهم وسائل النشر والإعلام في العالم العربى والإسلامى إلا في النادر، وأنهم هم الذين يفوزون بالمناصب والجوائز الرسمية وغير الرسمية أيضا، وأنهم هم الذين تُسَلَّط عليهم الأضواء وتُخْلَع عليهم الألقاب الضِّخَام؟ ألا ما أَشْبَه الليلةَ بالبارحة! لكن قومى مضطجعون في سُرُرهم لا يريدون أن يهبّوا، بل يستلذون ما هم فيه من الكسل والتثاؤب وكأن الدنيا قد دانت لهم، فهم في رقصٍ وزمرٍ وطبلٍ، على حين تُسَنّ السكاكين لنَحْر أفواج جديدة منهم غير التى نُحِرَت وانتهى أمرها، وهم ولا هم هنا! إنها أمة لم نسمع بمثلها فيما مضى من التاريخ، ولا أحسب أن التاريخ القادم سيعرف أمة مثلها في الغيبوبة العقلية التى أصابتها وسقوط الهمة التى اعتراها وأَشَلّ إرادةَ الحياة فيها! ربنا يستر، ولكنْ أخشى أن يقال لنا إنكم لا تستحقون الستر!