فهرس الكتاب

الصفحة 10348 من 27364

سيار الجميل 12/6/1428

عاد اسم سلمان رشدي ليلمع ثانية عندما منحته ملكة بريطانيا لقب (السير) تقديراً وتثميناً، وهو الكاتب البريطاني الذي عاش منذ قرابة عشرين سنة، يظهر ويختفي مع ما يحيط به من حراسات، إذ كان ولا يزال مهدداً بالقتل نتيجة تكفيره من قبل العالم الإسلامي بسبب ما ورد في روايته الشهيرة (آيات شيطانية) من تنديد ببعض آيات القرآن الكريم، نعم، عاد اسمه يشغل أجهزة الإعلام، بل ويثير من جديد أجزاء من العالم الإسلامي سياسيا! دعوني أقول إن اسمه لم يكن يصل إلى ما وصل إليه لولا هياج المسلمين أنفسهم في هذا العالم منذ قرابة عشرين سنة، وكانت تجديفاته في (آيات شيطانية) قد جعلت منه عدواً لدوداً للمسلمين الذين صنعوا منه ظاهرة في الغرب.

ولد سلمان رشدي في العام 1947 بمدينة بومباي في الهند من عائلة مسلمة وتخرج في كلية كنج كولدج بجامعة كامبردج ببريطانيا، وصدرت أولى رواياته عام 1975 تحت عنوان «جريموس» التي تمّ تجاهلها لسذاجتها، لكنه حصل على جائزة بوكر الانجليزية عام 1981 عن كتابه (أطفال منتصف الليل) .

وجاءت روايته (آيات شيطانية) عام 1988 ليحوز عنها بجائزة وايت بريد، ولكنها الرواية التي جعلت منه أشهر كاتب في العالم في غضون أسابيع فقط بسبب أكبر ضجة يسببها كتاب يسيء للإسلام وللآيات القرآنية. لقد عمّت المظاهرات عواصم عدة وسقط قتلى في باكستان، وصدرت الفتاوى عن الخميني في إيران توصي بهدر دمه، ورصدت إيران جائزة قدرها مليون دولار لمن يقتل سلمان رشدي تنفيذا لتلك الفتاوى عام 1989.

وأصبح سلمان رشدي هدفا ثمينا لملايين المسلمين، وقد حرسته بريطانيا لسنوات طوال، ونتيجة لذلك، فقد غاب سلمان رشدي عن الحياة العامة لعشر سنوات كاملة، وبالرغم من صدور بعض الردود والكتب في نقد كتابه، إلا أنها جميعا اتسمت بالضعف والإنشائية والسذاجة، ولم نجد إلى حد اليوم من يقف أمام سلمان رشدي ليدحضه علميا وبنفس الأسلوب الماكر الذي استعمله رشدي !!

زار رشدي الهند بلاده الأصلية بعد 12 سنة على إصدار فتوى الخميني ضده، فاستقبل استقبالا سيئا جدا، إذ خرجت المظاهرات الساخطة والغاضبة ضده وأحرقت الدمى التي تمثله في شوارع دلهي، وكان قد تسلم جائزة كتاب الكومنولث بالهند على كتابه (الأرض تحت أقدامها) .

وبالرغم من محاولة الرئيس الإيراني خاتمي دفن الموضوع قبل سنوات، أو المساومة عليه مع الاتحاد الأوروبي من قبل خرازي وزير الخارجية الإيراني الأسبق، إلا أن السيد الخامئني لم يزل يصر على تطبيق ما أراده الخميني، فبقي سلمان مطاردا مع بقاء اسمه في بريطانيا مثيرا للجدل، وبقي هو نفسه مصّرا على آرائه القديمة وكشف عن مواقفه السياسية، بل وتحّول إلى مفكّر وكاتب من الطراز الأول، وهو يصر على أن الحرب في أفغانستان وغيرها ليست حربا ضد الإرهاب، بل إنها حرب ضد الإسلام معتبرا إياه من مصادر الإرهاب ومن دون أي مراعاة لمشاعر ملايين المسلمين على وجه الأرض.

وعليه، استمر سلمان رشدي يلوذ بحراسّه حتى وهو يكتب مقالاته في صحيفة التايمز البريطانية، وفي واحدة من أشهر مقالاته قال: إن الإسلام بحاجة إلى الإصلاح ليتناسب مع العصر الحديث، وطالب بتفسير جريء وشمولي ومنفتح للقرآن الكريم سيؤدي بالضرورة للقضاء على العزلة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية من اجل إدماجها في العالم المعاصر!!

كنت أتمنى أن ينبري مفكرون وفلاسفة من العرب والمسلمين في الرد العلمي الهادئ على أفكار سلمان رشدي بالانجليزية من دون أية ضجة وضجيج ! كنت أتمنى أن يتجاوز العالم الإسلامي لغة التشهير والعواطف والصخب والفتاوى باستخدام أسلوب الحوار والنقد البناء الذي يعلن للعالم عن قوة الحجة وسمو الهدف من دون أي مشروع للقتل ينعكس ضد الإسلام والمسلمين.

إنني اعتقد أن المسلمين هم الذين صنعوا مجد سلمان رشدي وشهرته وكل ظاهرته، فلا يمكن أن يرتفع اسم الرجل بهذا القدر ويغدو مادة ثمينة للاستلاب الإسلامي أو التحدي الغربي لولا صدور «فتاوى» يغدو تأثيرها السياسي السيئ أكبر بكثير من تأثيرها الديني الرادع في العالم، ولا ادري لماذا تصدر الفتاوى بحق رشدي بالذات، ليسجل قفزة عالية في عالم اليوم وهناك العشرات بل المئات من مواقف مخزية أخرى لم تعالج أصلا.

وردت ولم تزل ترد في صلب حياتنا وعلاقاتنا وطبيعة تصرفاتنا في العالم الإسلامي، صحيح أن مواقف سلمان رشدي صارمة في هجومها وانتقاداتها للإسلام، لكنه ليس الوحيد في ذلك، فقد سبقته عشرات الكتابات ليست الغربية والاستشراقية، بل حتى العربية والإسلامية على امتداد القرن العشرين، تلك التي سجلت مواقف بالضد أقوى بكثير من طروحات سلمان رشدي من دون أي ضجة ولا أي تكفير ولا أي هياج إعلامي وسياسي أو أي فتوى ولا أي ردّة !!

وأخيرا أسأل: من ربح الجولة إذن؟ ومن ساهم بالإساءة إلى الإسلام في نهاية المطاف؟ وبسبب ملاحقته بالقتل صرفت الحكومة البريطانية عليه الآلاف المؤلفة من النفقات لحراسته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت