ماري تيريز كرياكي
وصلن إلى فيينا، خبر أصبح مؤكَّداً، وبدأن ينتشرن في وسط ما يسمى بالطبقة العربية المخملية وتحديداً السورية منها، حيث يركزن على الميسورات، واللواتي يتمتعن بمراكز اجتماعية أو بنسب لأحد العائلات المرموقة، لتجييشهن ضمن حركة دينية أصولية، ممثلات بذلك ردَّة حضارية في الشكل والمضمون. شكلاً عبر العودة إلى ارتداء الحجاب واللواتي اخترن له اللون الأزرق الغامق بدرجاته (وهو ما يعتبرونه اللون الوسط) وصولاً إلى الأسود، ومضموناً عبر تكريس مفاهيم حركة الإخوان المسلمين حول المرأة بأن"المرأة الصالحة خلقت للمنزل فقط"وأن"النساء ناقصات عقل ودين"وما إلى ذلك.
يعتبر البعض بأن حركة القبيسيات هي حركة موازية لحزب الإخوان المسلمين أو ظل له. والبعض الآخر يعتقد بأنها حركة صوفية تستند في أفكارها على فكر ابن رشد والحلاج. لكن ما هو واضح بأنها حركة ناشطة ضمن أوساط النساء، وتهدف إلى الحدِّ من نشاطهن ومشاركتهن في الحراك السياسي للبلاد عبر تحييد موقفهن مما يدور حولهن في المجتمع. كل ذلك يتمُّ بمباركة أولاً شيوخ ما يسمى بالوسطية الإسلامية كالشيخ البوطي والشيخ القرضاوي والشيخ الراحل كفتارو، واللذين هدفوا إلى حرف اتجاه هذه الحركة إلى اتجاه
صوفي، وثانياً بمباركة السلطة لإبعادهن عن القيام بأي عمل سياسي معارض يساهم بدوره في محاولة تقويضها.
والغريب أن تنشأ هذه الحركة في سورية هذا البلد المتنوع ثقافياً وسياسياً ودينياً كان منارة لرواد حركات التنوير والحداثة في وقت كان العالم العربي فيه يرزح تحت ثقل التخلف والتردي من الشيخ عبد الرحمن الكواكبي ورفيق العظم وفخري البارودي والشيخ عبد الرحمن الشهبندر.
اعتمدت الحركة على السرية في دعوتها، ولا تفصح العضوات عن حقيقة عقائدهن وأفكارهن للجديدات منهن إلا بعد تواجد العضو الجديدة لفترة طويلة واختبارها للتأكد من إخلاصها، وعندما تصل العضو إلى مرحلة الثقة"تكشف أمامها المزيد من الأسرار."
تأسست الحركة على يد الآنسة منيرة القبيسي ولقب أتباعها بالقبيسيات، والآنسة منيرة دمشقية من مواليد العام 1933، حاصلة على إجازة في العلوم الطبيعية من لجامعة دمشق السورية، عقب متابعاتها لدروس الدين في جامع ابي النور التابع للشيخ كفتارو، بداية
الستينات. ربطت ما بين رسالتها كمدرسة تعليمية وبين نشرها للدعوة، فمنعت من التدريس بقرار من الحكومة آنذاك، مما زاد التصاقها بجامع ابي النور، وتتلمذت على يد الشيخ كفتارو، ومن ثم ما لبثت وأن التحقت بالجامعة من جديد للدراسة في كلية الشريعة. وأسست فيما بعد منهجها الديني المستقل فكرياً ومادياً، وتوسع نشاطها من العاصمة إلى المدن السورية الأخرى فالأرياف، وإلى البلاد العربية المجاورة (الأردن ولبنان) ، فالخليج العربي، ومن ثم أوروبا وأمريكا، مشكلِّة شبكة كاملة من العلاقات تعتمد على ما هو علني وسري في آن.
لم تعتمد المواجهة مع أي طرف من الأطراف الدينية، ويكاد كل المشايخ يجزمون بأنها صديقة أو تابعة لهم، وقد يكون أحد أسباب نجاحها كما يقول د. محمد حبش هو"أن معظم زوجات الشيوخ الكبار أو بناتهم من الداعيات القبيسيات".
ورغبة من الآنسة منيرة القبيسي في الجمع بين الاستثمار ونشر نهجها الديني قامت مع أتباعها بإنشاء وشراء العديد من المدارس الابتدائية، والتي تصل أقساطها إلى بضعة آلاف من الدولارات، وتأخذ هذه المدارس، على الأغلب، أسماء الدار ففي دمشق على سبيل
المثال هناك"دار الفرح"في المهاجرين، ودار النعيم ومدرسة عمر بن الخطاب والبشائر"في المزة، و"عمر عبد العزيز"في الهامة، و"دوحة المجد"في المالكي، و"البوادر"في كفرسوسة. وتعتمد هذه المدراس منهج التدريس الحكومي إضافة إلى دروس الدين وإقامة"
نشاطات اجتماعية خارج أوقات الدوام الرسمي، ومعظم المدرسات من المحجبات، وتخرج الآلاف من الطلاب المتعصبون لفكر معين.
لا ينتهي دور القبيسيات بالتدريس في المدراس الابتدائية إن أنهن يتابعن طلابهم عبر الدروس الدينية في المساجد وفي البيوت، وأيضا عبر المساعدات الخيرية وتقديم الخدمات الطبية والعلاجية في مشفى"سلامة"التابع لهن، كذلك يتابعن طلابهم عبر مدهم بالكتب التي تروج لأفكارهن من مكتبتهم"السلام"في البرامكة. ومن ثم ينشطن في ترتيب الزيجات من رجال الأعمال والمتنفذين والمغتربين مما عزز إنتشار الحركة وزاد نفوذها وخاصة في المغتربات، حيث يمارسن كل أنواع الإرهاب الفكري على كل من يتجرأ ويطالهم.
أما في الوطن الأم فعلاقة القبيسيات مع السلطة تثير العديد من التساؤلات خاصة بأن الحكومة قد سمحت لهن رسمياً ببمارسة نشاطهن علنياً رغم كونهن مؤسسة تكفيرية طائفية تعمل إلى تحويل نساء السنة في بلاد الشام إلى أشخاص مؤطرين ضمن إطار محدد يلغي