د. محمد بن سعود البشر 22/9/1426
درسٌ مريرٌ، وعبرة ظاهرة، وتجربة مؤلمة للذين تدافعوا تجاه الأجنبي، وارتموا في أحضانه، وانصهروا في أُنموذجه، وتميّعوا في الولاء لدينهم وفكرهم وثقافتهم.
التجربة المريرة لنُخَبنا، والسقوط المريع للمنتمين لفكرنا، مستخلَص من التصريح الأخير للرئيس الأمريكي الذي أكّد أن دوافعه في حرب بلاده على أفغانستان والعراق، وأهدافه من خلخلة البناء العقدي والثقافي لشعوب الشرق الأوسط إنما هي - بزعمه- استجابة"لأوامر من الرب"تلقاها من السماء ونفّذها على الأرض.
صدع الرئيس الأمريكي بأيديولوجيته في السياسة، وأعلن للمرة الثانية أن غاياته دينية إنجيلية حين تولى كِبر الحرب على الإسلام، وقاد معاونوه الهجمة على المسلمين، أفراداً، وجماعات، وحكومات، وخطّط مستشاروه للتغيير وفق رؤى الإنجيليين وآمال المتصهينين.
إن ذلك من العدو ليس عجباً، نعم ليس عجباً أن نراه واقعاً ملموساً؛ فهو ترجمة لحقيقة أخبر بها القرآن، ومصداق لخبر حدّثت به السنة، وشاهد لأحداث مثيلة أنبأ بها التاريخ، وإنما العجب - كل العجب-، والواقع المستدعي للألم أن تتأمل حال كثير من النخب السياسية والفكرية والإعلامية التي تواطأت مع الآخر بالتأييد الظاهر والباطن لأهدافه حيناً، ودعم وسائل التغيير حيناً آخر، تأييد مصحوب بتدافع المهزوم، ودعم مسنود بتنادي المحموم، لإظهار التقرّب إلى العدو: في الاعتقاد والقول والعمل.
لقد شهدنا بكل حسرة وأسى ارتماءً في أحضان الأجنبي، خوفاً من عقاب، أو طمعاً في مغنم، ذلك الركض اللاهث من أقوام من العرب، وفِئام من المسلمين نحو الأجنبي المحتل كان حصيلة انهزام للذات أثبتت شعوراً بالنفاق البيّن، والتودّد السافر، خوفاً من دائرة تصيبهم، أو طعماً في مغنم ينالهم.
أربع سنوات عجاف تقلّبت فيها أفئدة المحسوبين على النّخب، وتبدّلت فيها مواقف من نظنّهم من الصّفوة.
أربع سنوات عجاف تواطأ فيها أقوام مع الأجنبي، فكانوا معه معاول هدم للمعتقد، ووسائل تشكيك في الثوابت، وأدوات خلخلة للبناء بضمائر مهتزّة، وهُويّة متميّعة، وأفئدة متقلّبة (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...) [لأنفال: من الآية37] .
هذه هي الأحداث: امتحان للمواقف، وابتلاء للضمائر، واختبار للسرائر، وقبل ذلك وبعده: اختبار للمعتقد والثوابت (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة:52] .