د.محمد بن عبدالله السلومي 8/11/1423
تحت شعار (محاربة الإرهاب) انطلقت الحملة الأمريكية على المؤسسات الخيرية الإسلامية إعلامياً وميدانياً في معظم دول العالم، عقب أحداث 11سبتمبر ومازالت على أوجها حتى الآن، في اتهام صريح لتلك المؤسسات بأنها تدعم الإرهاب.
مارست وسائل الإعلام الأمريكية - باقتدار- دوراً انتهازياً لبث مشاعر الشك والريبة تجاه كل ما يندرج تحت مسمى المؤسسات الخيرية الإسلامية، واتخذت الإدارة الأمريكية الكثير من الإجراءات الميدانية والقانونية والتشريعية ضد تلك المؤسسات، الأمر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول تلك الحملة، وما رافقها من تهم تستلزم البحث والنظر في بعض القرائن والنتائج لتلك الحملة:
هل هي حقاً موجهة نحو القضاء على ما يسمى بالإرهاب؟
أهي حقاً حملة لتجفيف موارده رغم أنه قد لا يحتاج أموالاً قياساً بأكبر حدث إرهابي وقع؟
هل تلك المؤسسات متورطة في دعم الإرهاب؟
هل هنالك أهداف أخرى غير معلنة لتلك الحملة تدار بواجهة محاربة ما يسمى بالإرهاب؟.
لقد ترجح بعد البحث والدراسة أن تلك الأهداف المعلنة لا تمثل الأهداف الحقيقة، وإنما تخفي وراءها أهدافاً غير معلنة اتضحت من خلال بعض القرائن والنتائج التي سنسوقها في هذه الورقة.
لا شك أن الأهداف الحقيقية للحملات على المؤسسات الخيرية الإسلامية تتضح من خلال الوسائل المتعددة والنتائج المتنوعة، فهاك أدلة قوية تشيرإلى أن الهدف المعلن غير الحقيقة، وذلك بعد دراسة متعمقة وتحليل شامل لشريحة من الحملات الإعلامية والميدانية، ومن خلال أقوال وتصريحات وكتابات بعض العاملين في مجالات السياسة والإعلام والثقافة ومنظمات العمل الخيري وفي مراكز الدراسات والأبحاث.
ولا ريب أن وجود الأدلة لإدانة أي مؤسسة (جانحة) لا يتطلب كل تلك الحملات الإعلامية، فيكفي إبراز الأدلة للمحاكم أو الحكومات المعنية، داخل أمريكا أو خارجها، ولكن يبدو أن هذه الحملات مقصودة بذاتها.
لقد تعددت الممارسات المجحفة بحق تلك المؤسسات كالإغلاق أو تجميد الأرصدة أو المصادرة أو التشهير أو الاتهام، بل وصل الأمر بعد إخفاق محاولات إيقاف أو تجميد بعض المؤسسات بحجة دعم الإرهاب إلى إغلاقها لأسباب أخرى، فالإغلاق هو الهدف والسبب يسهل تدبيره كما حدث لمكتب مؤسسة الحرمين في البوسنة والهرسك، فقد جرت محاولات الإقفال لمكتبها هناك بدعوى دعمها للإرهاب، وبعد الإخفاق في إدانتها بهذه التهمة، أغلق المكتب أخيراً بسبب توظيف أجانب من دون ترخيص ( 2) . وكذلك ما حدث في مصر في رمضان المنصرم الموافق نوفمبر من عام 2002م، حيث طالب السفير الأمريكي بإغلاق خمس وعشرين جمعية دينية محلية دفعة واحدة، وبعد خمسة عشر شهراً من الحدث التاريخي لتفجير الحادي عشر من سبتمبر؛ وذلك للاشتباه في علاقتها بتنظيم القاعدة! والسبب الحقيقي أن تلك الجمعيات لعبت دوراً قوياً في تفعيل المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الأمريكية ( 3) .
ألا يمكن بعد هذه النماذج أن يكون الهدف الحقيقي من هذه الحملة الأمريكية غير الهدف المعلن؟، وماذا يعني إطلاق التهم والتعميم بدون دليل، حيث يتم إطلاق التهم وعلى الآخرين أن يقدموا الأدلة على براءتهم؟، وهل نجح اليمين المتطرف والصهيونية المتمكنة في تحريك الإدارة الأمريكية وفق رؤيتها المتعصبة التي تلبي مطالبها دون النظر إلى الآخرين ومصالحهم؟.
وتتعدد القرائن التي تؤكد أن الحملة لها أهداف أخرى خلاف تلك المعلنة وهذه أبرزها ( 4) :
أولاً: فقدان الأدلة وصعوبة الإدانة:
لقد تم تسخير الإعلام بوسائله المتعددة بصورة مكثفة أثارت تساؤلات عما إذا كان اتهام مؤسسة محددة ومعينة يحتاج إلى مثل هذه الحملة؟ أم أن تلك الحملة الإعلامية وسيلة للتعويض عن الأدلة القانونية المفقودة؟، ولتكوين قناعات من خلال التضليل الإعلامي أو على الأقل بث الشك في العلميات المالية للمؤسسات الخيرية الإسلامية، فقد لوحظ في تلك الحملة:
-افتقادها للغة الوثائقية في كل ما ورد فيها من أخبار وتقارير، يقول رئيس جمعية الحقوقيين البريطانية عن تلك الاتهامات في ندوة بقناة الجزيرة في 21/10/2002م (إن كل ما قدم من اتهامات لا يمكن أن يصمد في المحكمة) ( 5) .
وكذلك ما ذكره المؤتمر الدولي في البحرين في 27/10/2002م (لا غسيل للأموال في المصارف الإسلامية) علاوة على ذلك ما قاله ريبرن هيس الرئيس السابق لقسم الاستخبارات المالية بوزارة الخارجية الأمريكية الذي قال (إنه لا أحد يعرف على وجه التحديد كمية الأموال التي يجري تحريكها خارج النظام المصرفي التجاري التقليدي) ، مؤكداً صعوبة تتبع أنواع التمويلات والإجراءات المالية في ظل البريد الإلكتروني والهاتف النقال ( 6) .
فهل عدم المعرفة هو الذي قاد للاتهام؟