فهرس الكتاب

الصفحة 8134 من 27364

الصحوة الإسلاميّة في السنغال..

نجاحات ثقافيّة واقتصاديّة

رضا عبد الودود 5/6/1426

لعل الكثيرين من المهتمين بالشأن الإسلامي والمشتغلين بالسياسة يغيب عن أذهانهم تفاعلات الحياة السياسية ودور القوى الاجتماعية داخل المجتمعات الإفريقية، ولعل الحديث عن أوضاع التيار الإسلامي في السنغال يأتي من قبيل مناقشة إمكانيات تعميق التقارب مع الدول الإفريقية التي لا تتجاوز معارف الكثير منها عن قشور المعرفة، بل إن الكثير من المسلمين العرب بل والأفارقة يعلمون تفاصيل الواقع الأمريكي أكثر من معرفة أحوال جيرانهم بفعل التقارب الثقافي والفكري بوساطة المنظمات المدنية والعلمية التي تلعب دوراً فاعلاً في صياغة ثقافة الشعوب العربية والإفريقية تمهيداً لتنفيذ الأطروحات العالمية والمخططات التي إذا تمَّ تنفيذها انقلبت ثقافة المنطقة رأسًا على عقب، ومن ذلك مشروع القرن الإفريقي الكبير الذي يعمل على محاصرة التوجه العربي والإسلامي المرتبط بالإقليم منذ قديم الأزل، وإحلال ثقافة إفريقية مسيحية بدلاً منه. ومما يزيد خطورة الأمر أن مشروعي الشرق الأوسط الكبير وتوسيع جامعة الدول العربية يهدف كلاهما إلى أن يكون التقارب والتكامل على أسس جغرافية فقط وتجاهل لبنة الدين والثقافة، وهذا يعني بوضوح قبول الكيان الصهيوني كعضو"شرعي"، وإذابته بيننا بسهولة.

مما يلزمنا التعرف على أحوال المسلمين في السنغال البالغ تعدادهم نحو (12) مليون نسمة، معظمهم مسلمون؛ إذ يشكلون نحو 95% من عدد السكان أغلبهم يتبعون المذهب المالكي كعادة غرب إفريقية، مركزين على التيار الإسلامي نبض هذه الأمة وحامل هويتها في زمن صراع الحضارات..

صراع فرنسي أمريكي

وتبدأ فصول المشهد السنغالي من الصراع الفرنسي الأمريكي على إفريقية؛

تُعدّ فرنسا من أكبر الشركاء الاقتصاديين للسنغال التي تتلقى معونات اقتصادية فرنسية تشكل العمود الاقتصادي للسوق السنغالي، إلا أن تلك العلاقات شهدت تراجعاً حاداً منذ أحداث سبتمبر 2001؛ إذ شكلت زيارة بوش للسنغال وعدة دول إفريقية في 2003 انقلاباً في علاقات السنغال مع فرنسا ليطفو على السطح شعار مكافحة الإرهاب أساساً جديداً للعلاقات مع واشنطن!!

الغريب أن الحركات الصوفية المبتدعة تنشر في السنغال بطريقة تلفت النظر وهي أحدى الأسباب الرئيسة في عرقلة الصحوة الإسلامية الصحيحة في السنغال؛ إذ ينتمي أغلب الصوفية هناك للطريقة التيجانية، ويمتلكون أكبر المزارع، بالإضافة إلى تلقيهم أموالاً طائلة تحت شعار هدايا من مريدين في أوروبا وأمريكا، وقد شهدت الفترة الأخيرة صراعاً وتبادلاً للاتهامات بين الطرق الصوفية بسبب جمع تلك الأموال المشبوهة، ولعل أخطر ما في تلك الصراعات استخدامها من قبل الحكومات السنغالية المتتالية في تصفية الحسابات السياسية مع الخصوم خاصة مع التيار الاسلامي (عباد الرحمن) والعناصر السلفية الأخرى، وقام وزير الداخلية الأسبق (جيوليتي كه) بإغلاق مقر هيئة الإغاثة الإسلامية في العاصمة دكار واتهام القائمين عليها بالإرهاب، مما تسبب في اندلاع أعمال عنف لم تشهدها السنغال من قبل، وأسفرت عن حرق محطات البنزين والسيارات والعديد من المباني الحكومية في عام 1997، وخرجت المظاهرات التي قادتها جماعة المسترشدين والمسترشدات مع (عباد الرحمن) متوجهة إلى القصر الجمهوري، واضطر الرئيس وقتها إلى عزله لامتصاص الغضب الجماهيري.

الصحوة الإسلاميّة والرهان على الشعب

تأسست الجماعة الإسلامية السنغالية"عباد الرحمن"في جنوب البلاد في يناير سنة 1978م بعد اتصالات عدة قادتها مجموعة من الإسلاميين المقتنعين بضرورة الحل الإسلامي؛ إذ اتفقت مجموعة تجاوزت (200) شخص على إنشاء حركة إسلامية منظمة واضحة الأهداف محددة المعالم تعيد للشعب السنغالي هويته التي شابها الكثير من الانحراف بفعل الاستعمار الغربي (فرنسا) وتحكم مشايخ الطرق الصوفية في البلاد. وحسب الوثائق التأسيسية للحركة الإسلامية في السنغال فإن أهم الأهداف المرسومة والتي قامت عليها الجماعة هي: تنقية التوحيد لله عز وجل. و الالتزام بكلمة التوحيد عقيدة. والتزام توحيد المسلمين سلوكاً وممارسة، واحترام الأخوة الإسلامية، مع احترام غير المسلمين ودعوتهم للإسلام.

كما تعتمد الحركة على العمل الخيري لتجسيد الأخوة الإسلامية، وتهتم بشؤون المسلمين من خلال التربية والتعليم والعمل الاجتماعي كبناء المساجد والمدارس والمرافق العامة وتوثيق العلاقات مع كل القطاعات الاجتماعية السنغالية من جمعيات إسلامية وطرق صوفية وتجمّعات نقابية وأحزاب سياسية.

ولعل أهم ما يلفت النظر في التجربة الإسلامية في السنغال تركيز الحركة على التعليم بوصفه أحد أهم الأولويّات بالنسبة لحركة دعوية في طور النشأة والتكوين. وذلك لمواجهة الانقسامات والازدواجية التي يعيشها المسلمون بين التعليم الديني والتعليم الحكومي كما يقول الشيخ مالك انجاي مرشد الحركة الحالي. ومن ثم أنشأت الحركة العديد من المدارس النموذجية التي تجمع العلوم الدينية والعلوم المدنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت